وقت من الأوقات نوع شعور ، فكيدهم لا يتعداهم فقد جمعوا بين الضلال والجهل ، إما حقيقة لبغضهم وإما لأنهم لما عملوا بغير ما يعلمون عد علمهم جهلا وعدوا هم بهائم ، فكانت هذه الجملة على غاية التناسب ، لأن أهم شيء في حق من رمى بباطل ـ إنما غلبة الرامي ليتعاظم بأنه شأنه ـ بيان إبطاله في دعواه ، ثم تبكيته المتضمن لبراءة المقذوف ، ثم التصريح ببراءته ، ثم بيان من هو أولى بالكون من حزبه ، ثم بيان المراد من تلك الدعوى الكاذبة ليحذر غائلتها السامع.
ولما ختم الكلام فيهم بنفي شعورهم بين تعالى في معرض التبكيت أن نفيهم عنه إنما هو لأنهم معاندون ، لا يعملون بعلمهم ، بل يعملون بخلافه ، فقال مستأنفا بما يدل على غاية التبكيت المؤذنة بشديد الغضب : (يا أَهْلَ الْكِتابِ) أي الذين يدعون أنهم أهل العلم (لِمَ تَكْفُرُونَ) أي كفرا تجددونه في كل وقت (بِآياتِ اللهِ) أي تسترون ما عندكم من العلم بسبب الآيات التي أنزلت عليكم من الملك المحيط بكل شيء عظمة وعزا وعلما (وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ) أي تعلمون علما هو عندكم في غاية الانكشاف أنها آياته ؛ ثم أتبع ذلك استئنافا آخر مثل ذلك إلا أن الأول قاصر على ضلالهم وهذا متعد إلى إضلالهم فقال : (يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَ) أي الذي لا مرية فيه (بِالْباطِلِ) أي بأن تؤولوه بغير تأويله ، أو تحملوه على غير محله (وَتَكْتُمُونَ الْحَقَ) أي الذي لا يقبل تأويلا ، وهو ما تعلمون من البشارة بمحمد صلىاللهعليهوسلم وتوابعها (وَأَنْتُمْ) أي والحال أنكم (تَعْلَمُونَ) أي من ذوي العلم ، فأنتم تعرفون ذلك قطعا وأن عذاب الضال المضل عظيم جدا.
ولما ذكر لبسهم دل عليه بقوله عطفا على (وَدَّتْ طائِفَةٌ) مبينا لنوع إضلال آخر : (وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ) أي من يهود المدينة (آمِنُوا) أي أظهروا الإيمان (بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا) متابعة لهم (وَجْهَ) أي أول (النَّهارِ) سمي وجها لأنه أول ما يستقبلك منه وهو ما يظهر ، ولذا عبروا به عن الأول الذي يصلح لاستغراق النصف ، لأن مرادهم التلبيس بظاهر لا باطن له ، ولفظ لا حقيقة له ، في جزء يسير جدا (وَاكْفُرُوا آخِرَهُ) أي ليظنوا أنه لا غرض لكم إلا الحق ، وأنه ما ردكم عن دينهم بعد اتباعكم له إلا ظهور بطلانه (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) أي ليكون حالهم حال من يرجى رجوعه عن دينه (وَلا تُؤْمِنُوا) أي توقعوا التصديق الحقيقي (إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ) فصوبوا طريقته وصدقوا دينه وعقيدته.
ولما كان هذا عين الضلال أمره سبحانه وتعالى أن يعجب من حالهم منبها على ضلالهم بقوله معرضا عنهم إيذانا بالغضب : (قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللهِ) أي المختص
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
