الْعالَمِينَ) [البقرة : ١٣١] وامتثالا لوصيته إذ قال : (وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [البقرة : ١٣٢] (اشْهَدُوا بِأَنَّا) أي نحن (مُسْلِمُونَ) أي متصفون بالإسلام منقادون لأمره ، فيوشك أن يأمرنا نبيه صلىاللهعليهوسلم بقتالكم لنصرته عليكم جريا على عادة الرسل ، فنجيبه بما أجاب به الحواريون المشهدون بأنهم مسلمون ، ثم نبارزكم متوجهين إليه معتمدين عليه ، وأنتم تعرفون أيامه الماضية ووقائعه السالفة.
ولما علم أهل الكتاب ما جبل عليه العرب من محبة أبيهم إبراهيم عليه الصلاة والسّلام وأن محمدا صلىاللهعليهوسلم أتى بدينه كما تقدم في قوله سبحانه وتعالى (بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [البقرة : ١٣٥] اجتمع ملأ من قرابتهم بحضرة النبي صلىاللهعليهوسلم ، وضلل كل منهم الآخر وادعى كل منهم قصدا لاجتذاب المسلمين إلى ضلالهم بكيدهم ومحالهم اتباع إبراهيم عليه الصلاة والسّلام بأنه صلىاللهعليهوسلم كان على دينهم ، ولم يكن لذلك ذكر في كتابهم ، مع أن العقل يرده بأدنى التفات ، لأن دين كل منهم إنما قرر بكتابهم ، وكتابهم إنما نزل على نبيهم ، ونبيهم إنما كان بعد إبراهيم عليه الصلاة والسّلام بدهور متطاولة ، واليهود ينسبون إلى يهوذا بن يعقوب عليهالسلام ، لأخذه البكورية عن أخيه بنيامين لأمر مذكور في كتابهم ، والنصارى ينسبون إلى الناصرة مخرج عيسى عليه الصلاة والسّلام في جبل الجليل ، ولا يعقل أن يكون المتقدم على دين ما حدث إلا بعده وعلى نسبة متأخرة عنه ، وكان دينه صلىاللهعليهوسلم إنما هو الإسلام ، وهو الحنيفية السمحة فقال سبحانه وتعالى مبكتا لهم : (يا أَهْلَ الْكِتابِ) كالمعلل لتبكيتهم ، لأن الزلة من العالم أشنع (لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ) فيدعيه كل من فريقكم (وَ) الحال أنه (ما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ) المقرر كل منهما لأصل دين متجدد منكم (إِلَّا) ولما كان إنزال كتاب كل منهم غير مستغرق للزمان الآتي بعده أدخل الجار فقال : (مِنْ بَعْدِهِ) وأعظم ما يتمسك به كل فرقة منهما السبت والأحد ، ولم يكن ما يدعونه فيهما في شريعة إبراهيم عليهالسلام ، لا يقدرون على إنكار ذلك ، ولا يأتي مثل ذلك في دعوى أنه مسلم لأن الإسلام الذي هو الإذعان للدليل معنى قديم موجود من حين خلق الله العقل ، والدليل أنه لا يقدر أحد أن يدعي أنه ما حدث إلا بعد إبراهيم عليهالسلام كما قيل في الدينين المذكورين.
ولما كان الدليل العقلي واضحا في ذلك ختم الآية بقوله منكرا عليهم (أَفَلا تَعْقِلُونَ) أي هب أنكم لبستم وادعيتم أن ذلك في كتابكم زورا وبهتانا ، وظننتم أن ذلك يخفى على من لا إلمام له بكتابكم ، فكيف غفلتم عن البرهان العقلي! ثم استأنف
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
