حقا ، ولكن الذي يشهد لي بها حق ، أنتم أرسلتم إليّ يوحنا فشهد لي بالحق ، وأما أنا فلست أطلب شهادة من إنسان ولكني أقول هذا لتخلصوا أنتم ، وأنا على أعظم من شهادة يوحنا لأن الأعمال التي أعملها تشهد من أجلي أن الرب أرسلني ، والذي أرسلني قد شهد لي ولم تسمعوا قط صوته ولا عرفتموه ولا رأيتموه ، وكلمته لا تثبت فيكم لأنكم لستم تؤمنون بالذي أرسل ، فتشوا الكتب التي تظنون أن تكون لكم بها حياة الأبد فهي تشهد من أجلي ، لست آخذ المجد من الناس ، أنا أتيت باسم أبي فلم تقبلوني ، وإن أتاكم آخر باسم نفسه قبلتموه ، كيف تقدرون أن تؤمنوا وإنما تقبلون المجد بعضكم ، من بعض ولا تظنون أن المجد من الله تعالى الواحد ، لا تظنوا أني أشكوكم ، إن لكم من يشكوكم : موسى الذي عليه تتوكلون ، فلو كنتم آمنتم بموسى آمنتم بي ، لأن ذلك كتب من أجلي ، وإن كنتم لا تؤمنون بكتب ذلك فكيف تؤمنون بكلامي ـ انتهى ما وقع الاختيار أخيرا على إثباته هنا ، وفيه من الألفاظ المنكرة في شرعنا إطلاق الأب والابن ، وقد تقدم التنبيه على مثل ذلك.
ولما أتاهم سبحانه وتعالى من أمر عيسى عليه الصلاة والسّلام بالفصل في البيان الذي ليس بعده إلا العناد ، فبين أولا ما تفضل فيه عيسى عليه الصلاة والسّلام من أطوار الخلق الموجبة للحاجة المنافية للإلهية ، ثم فضح بتمثيله بآدم عليه الصلاة والسّلام شبهتهم ، ألزمهم على تقديره بالفيصل الأعظم للمعاند الموجب للعذاب المستأصل أهل الفساد فقال سبحانه وتعالى : (فَمَنْ) أي فتسبب عما آتيناك به من الحق في أمره أنا نقول لك : من (حَاجَّكَ فِيهِ) أي خاصمك بإيراد حجة ، أي كلام يجعله في عداد ما يقصد.
ولما كان الملوم إنما هو من بلغته هذه الآيات وعرف معناها دون من حاج في الزمان الذي هو بعد نزولها دون اطلاعه عليها قال : (مِنْ) أي مبتدئا المحاجة من ، ويجوز أن يكون الإتيان بمن لئلا يفهم أن المباهلة تختص بمن استغرق زمان البعد بالمجادلة (بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ) أي الذي أنزلناه إليك وقصصناه عليك في أمره (فَقُلْ تَعالَوْا) أي اقبلوا أيها المجادلون إلى أمر نعرف فيه علو المحق وسفول المبطل (نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ) أي الذين هم أعز ما عند الإنسان لكونهم بعضه (وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ) أي اللاتي هن أولى ما يدافع عنه أولو الهمم العوالي (وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ) فقدم ما يدافع عنه ذوو الأحساب ويفدونه بنفوسهم ، وقدم منه الأعز الألصق بالأكباد وختم بالمدافع ، وهذا الترتيب على سبيل الترقي إذا اعتبرت أنه قدم الفرع ثم الأصل وبدأ بالأدنى وختم بالأعلى ، وفائدة الجمع الإشارة إلى القطع بالوثوق بالكون على الحق. ثم ذكر ما له هذا الجمع مشيرا بحرف التراخي إلى خطر الأمر وأنه مما ينبغي
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
