وبين أن يريد كونه من أنثى فقط فيخرق به عادة ما نشاهده الآن من التوليد بين الذكر والأنثى ، كما أنا لما علمنا أنه ليس كل تراب يكون منه حيوان علمنا قطعا أن هذا المتولد من تراب إنما هو بإرادة القادر واختياره لا بشيء آخر ، وإلى ذلك أشار يحيى عليه الصلاة والسّلام بقوله فيما سلف قريبا : إن الله قادر على أن يقيم من الحجارة أولادا لإبراهيم ، أي لأنه سبحانه وتعالى هو الذي يخلق المسببات فلا فرق حينئذ بين مسبب وسبب ، بل كلها في قدرته سواء ، وإلى ذلك أشار قوله : (ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ) أي بشرا كاملا روحا وجسدا ، وعبر بصيغة المضارع المقترن بالفاء في (فَيَكُونُ) دون الماضي وإن كان المتبادر إلى الذهن أن المعنى عليه حكاية للحال وتصويرا لها إشارة إلى أنه كان مع الأمر من غير تخلف وتنبيها على أن هذا هو الشأن دائما ، يتجدد مع كل مراد ، لا يتخلف عن مراد الآمر أصلا ـ كما تقدم التصريح به في آية (إِذا قَضى أَمْراً) [البقرة : ١١٧] وذلك أغرب مما كان سبب ضلال النصارى الذين يجادل عن معتقدهم وفد نجران ، قال سبحانه وتعالى ذلك إشارة إلى أنهم ظلموا في القياس ، وكان العدل أن يقاس في خرقه للعادة بأبي أمه الذي كان يعلم الأسماء كلها وسجد له الملائكة ، لا بخالقه ومكونه تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
قال الحرالي : جعل سبحانه وتعالى آدم عليه الصلاة والسّلام مثلا مبدؤه السلالة الطينية ، وغايته النفخة الأمرية ، وكان عيسى عليه الصلاة والسّلام مثلا مبدؤه الروحية والكلمة ، وغايته التكمل بملابسة السلالة الطينية ، حتى قال صلىاللهعليهوسلم : إنه عند نزوله في خاتمة اليوم المحمدي يتزوج امرأة من بني أسد ويولد له غلام لتكمل به الآدمية في العيسوية كما كملت العيسوية في الآدمية وليكونا مثلا واحدا أعلى جامعا (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) [الروم : ٢٧] ـ انتهى.
ولما ابتدأ القصة بالحق في قوله : (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِ) ختمها بذلك على وجه آكد وأضخم فقال : (الْحَقُ) أي الكامل في الثبات كائن (مِنْ رَبِّكَ) أي المحسن إليك بأنه لا يدع لخصم عليك مقالا ، ولما تسبب عما مضى نقلا وعقلا الاعتقاد الحق في أمر عيسى عليه الصلاة والسّلام قال : (فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) مشيرا بصيغة الافتعال إلى أنه لا يشك فيه بعد هذا إلا من أمعن الفكر في شبه يثيرها وأوهام يزاولها ويستزيرها ، وما أحسن ما في سفر الأنبياء الإسرائيليين الذي هو بأيدي الطائفتين اليهود ثم النصارى ، يتناقلونه معتقدين ما فيه ، وأوضحه في خلاف معتقدهم في عيسى عليه الصلاة والسّلام وموافقة معتقدنا فيه ، لكنهم لا يتدبرون ، وذلك أنه قال في نبوة أشعيا عليهالسلام : اسمع مني يا يعقوب عبدي وأنت يا إسرائيل الذي انتخبته! أنا الذي
![نظم الدّرر [ ج ٢ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4701_nazm-aldurar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
