وإذا كان ذلك جائزا لم ينفعنا تردد الفعل في نفسه بين القبح والحسن ، واحتجنا ان نراعي حال المكلّف ، فمتى وجدنا المصلحة تعلّقت بإعلامه جهة الفعل وجب ذلك فيه ، ومتى تعلّقت المفسدة بذلك وجب ان لا يعلم ذلك ، وكان فرضه الشك والوقف (١).
وأمثلة الأخبار المتواترة في العبادات والمعاملات والعقود والأحكام أكثر من أن تحصى ، إلّا أنّه يجوز أن لا ينقلوا ما نقلوه فيصير آحادا ، فلا يجوز أن يقال : إنّ الشريعة محفوظة بالتواتر ، بل بالإجماع الّذي فيه الحجّة يكون بها الشرع محفوظا ، وإذا صارت الأخبار المتواترة أخبار آحاد نقله النقلة فلا بدّ من ان يقترن بها قرينة من القرائن الخمسة ؛ حتّى يجب العمل بها ، أو ينضم إليها ما يجري مجرى القرائن إذا عريت من القرائن ؛ حتى يجوز بها العمل.
فلو ورد خبر الواحد موافقا لدليل العقلي متضمّنا وجوب الوقف كان دليلا مؤكّدا بصحة التوقف الذي كان في العقل على الحظر والإباحة ، وإن ورد متناولا للحظر وجب المصير إليه ، [أو] ورد متضمّنا للإباحة وجب العمل به إلّا أن يدلّ دليل في المواضع الثلاثة على خلافها ، فترك حينئذ لذلك الدليل ؛ الخبر في موضع ، والأصل في موضع آخر (٢).
ولا يمتنع أن يدلّ دليل السمع على أنّ الأشياء على الإباحة بعد ان كانت على الوقف ، كقوله تعالى : (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ)(٣) ، وكقوله : (أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ)(٤) وهذه الطريقة مبنيّة على السمع (٥).
__________________
(١) لاحظ عدّة الاصول : ٢ / ٢٩٥ ـ ٢٩٧.
(٢) لاحظ عدّة الاصول : ١ / ٣٦٧ ـ ٣٧٠.
(٣) الاعراف (٧) : ٣٢.
(٤) المائدة (٥) : ٤ و ٥.
(٥) لاحظ عدّة الاصول : ٢ / ٣٠١.
