والحقّ ـ كما افاده بعض المحقّقين ـ : إنّ مراد الشيخ ليس شيئا ممّا ذكر ، بل مراده إنّ عقله ـ تعالى ـ للأشياء بالعلم الحضوري التفصيلي بسبب وجود الأشياء ، يعنى إنّ علمه فعلي بمعنى انّه يعقل أوّلا نظام الخير في الأشياء فيوجدها على طبقه في الخارج. ويدلّ على ذلك ما قاله متّصلا بالقول المذكور تعليلا له : « فانّه يعقل ذاته وما توجبه ذاته ـ تعالى ـ ويعلم من ذاته كيفية كون الخير في الكلّ ، فتتبع صورته المعقولة صورة الموجودات على النظام المعقول » (١).
ولو أراد أحد الاستشهاد من كلام الشيخ للعلم الاجمالي فينبغى أن يستشهد بما ذكره قبل قوله المذكور بقوله : « فهو كذلك يعقل الأشياء دفعة واحدة من غير أن يتكثّر بها في جوهره أو تتصوّر في حقيقة ذاته بصورها ، بل تفيض عنه صورها معقولة. وهو أولى بأن يكون عقلا من تلك الصور الفائضة عن عقليته ، لأنّه يعقل ذاته وانّه مبدأ كلّ شيء ، فيعقل من ذاته كلّ شيء » (٢) ؛ / ١٦٦ MA / انتهى. فلأنّ قوله : « فهو أولى بأن يكون عقلا من تلك الصور الفائضة » صريح في كون ذاته علما إجماليا بالكلّ.
ثمّ قوله : « فإنّ الغائب المطلوب في طي الشاهد الحاضر » معناه : انّه يعلم من الصور البنائية بالنسبة إلى البناء ما هو المطلوب من علم واجب الوجود بالنسبة إلى الكلّ الّذي هو الغائب.
ثمّ المطلوب إمّا مجرّد التقدّم ، أو الإجمال بالنسبة إلى الكلّ ، أو التفصيل بالنسبة إلى البعض والإجمال بالنسبة إلى بعض آخر ، أو الفعلية ـ كما احتمله بعض الأفاضل حيث قال : معناه إنّ هذا ليس من باب قياس الغائب على الشاهد ، / ١٦٥ DB / بل الغائب في طي الشاهد ومن جملته ، لأنّه كما انّ الصورة البنائية الّتي في ذهن البنّاء سبب لوجود البناء وعلم فعلي له كذلك علم الغائب وهو الواجب جل شانه بمعلولاته علم فعليّ وسبب بالقياس إلى المعلولات ، وليس انفعاليا. غاية ما في الباب يكون علم الحاضر وهو البنا علما حصوليا وعلم الغائب وهو الواجب جلّ شانه ليس حصوليا ، لكن علم الغائب والحاضر لا تفاوت بينهما في كونهما فعليين ـ.
__________________
(١) راجع : الشفا / الإلهيات ، ص ٣٦٣.
(٢) راجع : نفس التعليقة السالفة.
![جامع الافكار وناقد الانظار [ ج ٢ ] جامع الافكار وناقد الانظار](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F730_jamea-afkar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
