والتقوى : دفع البلاء بسلوك طريق الهدى ؛ والصبر : حبس النفس بتجرع مرارة المنع عما يشتهي ، ولعله إنما ستر أمره عنهم إلى هذا الحد لأنه لو أرسل إلى أبيه يخبره قبل الملك لم يأمن كيد إخوته ، ولو تعرف إليهم بعده أو أول ما رآهم لم يأمن من أن تقطع أفئدتهم عند مفاجأتهم بانكشاف الأمر وهو فيما هو فيه من العز ، فإنهم فعلوا به فعل القاتل من غير ذنب قدمه إليهم ، فهم لا يشكون في أنه إذا قدر عليهم يهلكهم لما تقدم لهم إليه من سوء الصنيعة ، وعلى تقدير سلامتهم لا يأمنونه وإن بالغ في إكرامهم ، فإن الأمور العظام ـ إن لم تكن بالتدريج ـ عظم خطرها ، وتعدى ضررها ، فإن أرسلهم ليأتوا بأبيهم خيف أن يختلوا أباهما من ملك مصر ويحسنوا له الإبعاد عن بلاده ، فيذهبوا إلى حيث لا يعلمه ، وإن أرسل معهم ثقات من عنده لم يؤمن أن يكون بينهم شر ، وإن سجنهم وأرسل إلى أبيه من يأتي به لم يحسن موقع ذلك من أبيه ، ويحصل له وحشة بحبس أولاده ، وتعظم القالة بين الناس من أهل مصر وغيرهم في ذلك ، ففعل معهم ما تقدم ليظهر لهم إحسانه وعدله ودينه وخيره ، وكفه عنهم وعفوه عن فعلهم بالتدريج ، ويقفوا على ذلك منه قولا وفعلا من أخيه الذي ربى معهم وهم به آنسون وله ألفون ، فتسكن روعتهم ، وتهون زلتهم ، ومما يدل على ذلك أنه لما انتفى عن أخيه بنيامين ما اتصفوا به مما ذكر ، تعرف إليه حين قدم عليه ونهاه أن يخبرهم بحقيقة الأمر ، وشرع يمد في ذلك لتستحكم الأسباب التي أرادها ، فلما ظن أن الأمر قد بلغ مداه ، لوح لهم فعرفوه وقد أنسهم حسن عقله وبديع جماله وشكله ورائع قوله وفعله ، فكان موضع الوجل والخجل ، وموضع اليأس الرجاء ، فحصل المراد على وفق السداد ـ والله الموفق ؛ وذلك تنبيه لمن قيل لهم أول السورة (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [يوسف : ٢] على الاقتداء بأفعال الهداة المهديين في التأني والاتئاد (١) وتفويض الأمور إلى الحكيم ، وأن لا يستعجلوه في أمر ، وأن يعلموا أن سنته الإلهية جرت بأن الأمور الصعاب لا تنفذ إلا بالمطاولة لترتب الأسباب شيئا فشيئا على وجه الإحكام ، وفي ذلك فوائد من أجلها امتحان أولى الطاعة والعصيان ـ كما ستأتي الإشارة إليه آخر السورة بقوله ؛ (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ) [يوسف : ١١٠] الآية والله أعلم.
ولما كان ما ذكر ، كان كأنه قيل : لقد أتاهم ما لم يكونوا يحتسبون فما قالوا؟ فقيل : (قالُوا) متعجبين غاية التعجب. ولذلك أقسموا بما يدل على ذلك : (تَاللهِ) أي الملك الأعظم (لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ) أي الذي له الأمر كله (عَلَيْنا) أي جعل لك أثرا يغطي آثارنا بعلوه فالمعنى : فضلك علينا أي بالعلم والعقل والحكم والحسن والملك والتقوى
__________________
(١) التؤدة : التأني والتمهل يقال : اتئد في أمرك.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
