عن سلامتهم وقال : أسالم هو؟ أبوكم الذي أخبرتموني عنه أنه الحياة هو بعد؟ فقالوا : إن أبانا عبدك سالم ، ثم جثوا فسجدوا فرفع بصره فأبصر بنيامين أخاه ابن أمه فقال لهم : هذا أخوكم الذي أخبرتموني عنه؟ فقالوا : نعم؟ فقال له : الله يترأف عليكم يا بني ، فاستعجل يوسف عليهالسلام لأنه رق له وتحنن عليه فأراد البكاء ، فدخل إلى مكانه فبكى هناك ، ثم غسل وجهه وخرج فصبر نفسه ، فأمر أن يأتوهم بالغداء ، فوضعوا بين يديه وحده ، وقربوا إليهم وحدهم ، لأنه لا يستطيع أهل مصر أن يأكلوا مع العبرانيين ، لأن هذه نجاسة عند المصريين ، فأمر فاتكأ الأكبر على قدر سنه والأصغر على قدر سنه ، فتعجب القوم ومكثوا محيرين مشدوهين ، فأعطى كل واحد منهم من بين يديه جزءا ، وأعطى بنيامين أكثر منهم : خمسة أنصبة ، فشربوا.
فأمر خازنه وقال له : أوقر أوعية القوم من البر ما أمكنهم حمله ، وصير ورق كل امرىء منهم على طرف وعائه ، وخذ طاسي طاس الفضة وصيره في وعاء الأصغر مع ورق ميرته ، ففعل العبد كما أمر يوسف عليهالسلام ، فلما كان من الغد سرح القوم لينطلقوا هم وحميرهم ، فخرجوا من القرية ، وقبل أن يخرجوا منها قال يوسف لخازنه : قم فامض في طلب القوم وألحقهم وقل لهم : لم كافيتم الشر بدل الخير ، فأخذتم الطاس الذي يشرب فيه سيدي ويعتاف فيه اعتيافا ، فأسأتم فيما جاء منكم ، فلحقهم وقال لهم هذه الأقاويل ، فقالوا له : لا تقولن يا سيدنا هذه الأقاويل ، معاذ الله أن يفعل عبيدك هذه الفعال! نحن رددنا أوراقنا التي وجدنا في أوعيتنا من أرض كنعان ، فكيف نسرق من بيت سيدك ذهبا أو فضة ، من وجد عنده من عبيدك فليمت ونكن نحن عبيدا لسيدنا! قال لهم : هو على ما تقولون ، من وجد عنده فهو يكون لي عبدا ، وأنتم تكونون فلحين طاهين ، فاستعجل كل منهم وعاءه ، ففتشوا ابتداء بالأكبر وانتهاء إلى الأصغر ، فوجدوا الطاس في وعاء بنيامين ، فمزقوا ثيابهم وخرقوها. وحمل كل امرىء منهم وعاءه على حماره ، ورجعوا إلى القرية ، فدخل يهوذا وإخوته على يوسف وكان في منزله بعد ، فخروا بين يديه على الأرض ، فقال لهم يوسف : ما هذا الفعل الذي جاء منكم؟ أما تعلمون أن رجلا مثلي يعتاف ـ وفي نسخة : يمتحن ـ بكأس اعتيافا؟ لم تتعدون عليه وتأخذونه؟ فقال يهوذا : بماذا نكلم سيدنا! وبماذا ننطق! وبماذا نفلح ـ وفي نسخة : نحتج ـ من عند الله نزلت هذه الخطيئة بعبيدك ، هوذا نحن عبيد لسيدنا نحن ومن أصيب الكأس عنده ، فقال : معاذ الله أن أفعل هذا! بل الرجل الذي وجد الكأس عنده يكون لي عبدا ، وأنتم فاصعدوا بسلام إلى أبيكم.
فدنا منه يهوذا فقال : أنا أطلب إليك يا سيدي أن تأذن لعبدك بالكلام بين يديك ،
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
