الإنكار (إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ) أي ثابت لكم ذلك لا محالة حقيقة بما فعلتم في حق يوسف عليه الصلاة والسّلام ، أو مجازا بأنكم فاعلون فعل السارق ـ كما سيأتي بيانه آنفا ، مع أن هذا النداء ليس من قول يوسف عليه الصلاة والسّلام ، ويحتمل أن لا يكون بأمره حتى يحتاج إلى تصحيحه ، بل يكون قائله فهم ذلك من قوله عليهالسلام : صواعي مع الركب ، أو كأنهم أخذوا صواعي فاذهب فآتني به أو بهم ـ ونحو ذلك مما هو حق في نفسه ؛ والعير : القافلة التي فيها الأحمال ، والأصل فيها الحمير ، ثم كثر حتى أطلق على كل قافلة تشبيها بها ، وقد تضمنت الآية البيان عما يوجبه التلطف في بلوغ المراد من إيقاع الأسباب التي تؤدي إليه وتبعث عليه بظاهر جميل وباطن حق مما يخفى على كثير من الناس موقعه ، ويشكل عليه وجهه ، لأنه أنفذ له وأنجح للمطلوب منه ، فكأنه قيل : إن هذه لتهمة عظيمة ، فما قالوا في جوابها؟ فقيل : (قالُوا) في جواب الذين لحقوهم (وَ) الحال أن آل إسرائيل (أَقْبَلُوا) ودل ـ على أن الذين لحقوهم كانوا جماعة المؤذن أحدهم ، كما كما هو شأن ذوي الرئاسة إذا أرسلوا في مهم ـ بالجمع في قوله : (عَلَيْهِمْ) أي على جماعة الملك : المنادي وغيره (ما ذا تَفْقِدُونَ) مما يمكننا أخذه (قالُوا نَفْقِدُ) وكأن السقاية كان لها اسمان ، فعبروا هنا بقولهم : (صُواعَ الْمَلِكِ) والصواع : الجام يشرب فيه (وَلِمَنْ جاءَ بِهِ) أي أظهره ورده من غير تفتيش ولا عناء (حِمْلُ بَعِيرٍ) وهو بالكسر : قدر من المتاع مهيأ لأن يحمل على الظهر ، وأما الحمل في البطن فبالفتح (وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ) أي ضامن وكفيل أوديه إليه ، وإفراد الضمير تارة وجمعه أخرى دليل على أن القائل واحد ، وأنه نسب إلى الكل لرضاهم به ، وفي الآية البيان عما يوجبه حال بهت الإنسان للتثبت في الأمر وترك الإسراع إلى ما لا يجوز من القول ، فكأنه قيل : فما قال إخوة يوسف؟ قيل : (قالُوا) قول البريء (تَاللهِ) أي الملك او عظم فأقسموا قسما مقرونا بالتاء ، لأنها يكون فيها التعجب غالبا ، قال الرماني : لأنها لما كانت نادرة في أدوات القسم جعلت للنادر من المعاني ، والنادر من المعاني يتعجب منه ، وقال : إنها بدل من الواو ، والواو بدل من الباء ، فهي بدل من بدل ، فلذلك ضعفت عن التصريف في سائر الأسماء ، ثم أكدوا براءتهم بقولهم : (لَقَدْ عَلِمْتُمْ) أي بما جربتم من أمانتنا قبل هذا في كرتي مجيئنا (ما جِئْنا) وأكدوا النفي باللام فقالوا : (لِنُفْسِدَ) أي نوقع الفساد (فِي الْأَرْضِ وَ) لقد علمتم (ما كُنَّا) أي بوجه من الوجوه (سارِقِينَ) أى موصوفين بهذا الوصف قط ، بما رأيتم من أحوالنا : من ردنا بضاعتنا التي وجدناها في رحالنا وغير ذلك مما عاينتم من شرف فعالنا مع علمنا بأنها خلق لنا لا تصنّع يظهر لبعض الأذكياء بأدنى تأمل ، فكأنه قيل : فما قال الذين من جهة العزيز؟
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
