على ما أمر به شفقة عليهم (قَضاها) يعقوب ، وأبرزها من نفسه إلى أولاده ، فعملوا فيها بمراده فأغنى عنهم ذلك الخلاص من عقوق أبيهم فقط ، فإنهم ابتلوا في هذه السفرة بأمر عظيم لم يجدوا منه خلاصا ، وهو نسبهم إلى السرقة ، وأسر أخيهم منهم ، قال أبو حيان : وفيه حجة لمن زعم أن «لما» حرف وجوب لوجوب ، لا ظرف زمان بمعنى «حين» ، إذ لو كان ظرف زمان ما جاز أن يكون معمولا لما «بعد» ما النافية ـ انتهى.
ولما كان ذلك ربما أوهم أنه لا فائدة في الاحتياط ، أشار تعالى إلى رده بمدح يعقوب عليه الصلاة والسّلام ، حثا على الاقتداء به في التسبب مع اعتقاده أن الأمر بيد الله فقال : (وَإِنَّهُ) أي يعقوب عليه الصلاة والسّلام مع أمره لبنيه بذلك (لَذُو عِلْمٍ) أي معرفة بالحكمين : حكم التكليف ، وحكم التقدير ، واطلاع على الكونين عظيم (لَمَّا) أي للذي (عَلَّمْناهُ) إياه من أصول الدين وفروعه ، ويجوز أن يكون المعنى : لذو علم لأجل تعليمنا إياه. فاقتدوا به في الاحتياط في تعاطي الأسباب ، مع اعتقاد أنه لا أثر لها إلا أن أمضاها الواحد القهار ، فبهذا التقدير يتبين أن الاستثناء متصل ، وفائدة إبرازه ـ في صورة الاستثناء عند من جعله منقطعا ـ الإشارة إلى تعظيم يعقوب عليه الصلاة والسّلام ، وأنه جدير بأن يكون ما يأمر به مغنيا ، لأنه من أمر الله ، فلو كان شيء يغني من قدر الله لأغنى ما أشار به ، وإنما فسرت «يغنى» ب «يدفع» لأن مادة «غنى» ـ بأي ترتيب كان ـ تدور على الإقامة ، فيكون أغنى للسلب ، وهو معنى الدفع ، بيانه أن غنى بمعنى أقام ، وعاش ، ولقي ، ومغنى الدار : موضع الحلول ، ويلزم من الإقامة الكفاية والتمول ، لأن الفقير منزعج مضطرب ، والغني ـ كإلى : التزوج ، وإذا فتح مد ، والاسم الغنية ـ بالضم ، وذلك لأن التزوج لازم الإقامة ، والغانية : المرأة تطلب ولا تطلب ، أو الغنية بحسنها عن الزينة ، أو الشابة المتزوجة ، أو الشابة العفيفة ذات زوج كانت أم لا ، ومثلها يلزم المنزل ويقصر في الخيام ، وأغنى عنه غناء فلان : ناب عنه منابه وأجزأ مجزأه ، وحقيقته جعل إقامة كذا متجاوزة عنه ، فالمفعول محذوف ، فإذا قال مثلا : فلان أغنى عني في الحرب ، كان المعنى : أغنى عني ضرب الأبطال أو شدة الحرب ، أي أزال إقامة ذلك عني فجعله متجاوزا ، ولا شك أن معنى ذلك : دفعه عني ، وكذا كل ما كان من ذلك ، وما فيه غناء ذاك ، أي إقامته والاضطلاع به ، ويلزم أيضا ـ من الإقامة التي هي المدار والكفاية التي هي سببها ـ الغناء ـ بالكسر والمد ، وهو التطريب بالصوت ، والغناء أيضا : الرمل ـ لإقامته ، وغنى بالمراة : تغزل ، أي نظم فيها الغزل ، وغنى بزيد : مدحه أو هجاه ـ من لوازم الإقامة والكفاية ، ومنه غنى الحمام : صوت ؛ ونغى ـ كرمى : تكلم بكلام يفهم ـ لأن ذلك يسكن الخاطر عن القلق ، ومنه المناغاة ـ وهي تكليم الصبي بما يهوى ،
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
