عميس رضي الله عنها أن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : «لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين» (١).
قال الإمام الرازي : ومنشأ إصابة العين توهم النفس الخبيثة هلاك من تصيبه. وقد تقدم معنى ذلك في رواية أحمد وابن ماجه من حديث أبي هريرة مع انضمام حضور الشيطان ، وهذا الاحتياط من باب الأخذ بالأسباب المأمور بها ، لأنها من القدر ، لا من باب التحرز من القدر ، كما روى مسلم وأحمد وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من الضعيف ، وفي كل خير احرص على ما ينفعك ، واستعن بالله ولا تعجز ، وإن أصابك شيء فلا تقل : لو أني فعلت كذا وكذا ، ولكن قل : قدر الله وما شاء فعل ، فإن «لو» تفتح عمل الشيطان» (٢) معناه ـ والله أعلم : افعل فعل الأقوياء ، ولا تفعل فعل العجزة ، وذلك بأن تنعم النظر ، تمعن في التأمل وتتأنى ، حتى تعلم المصادر والموارد ، فلا تدع شيئا يحتمل أن ينفعك في الأمر الذي أنت مقبل عليه ولا يضرك إلا فعلته ، ولا تدع أمرا يمكن أن يضرك إلا تركته واحترزت منه جهدك ، فإنك إذا فعلت ذلك وأتى أمر من عند الله بخلاف مرادك كنت جديرا بأن لا تقول في نفسك : لو أني فعلت كذا ، فإنك لم تترك شيئا ، وأما إذا فعلت فعل العجزة ، وتركت الجزم فما أوشك أن تؤتى من قبل ترك الأسباب ، فما أقربك إلى أن تقول ما يفتح عمل الشيطان من «لو».
ولما خاف أن يسبق من أمره هذا إلى بعض الأوهام أن الحذر يغني من القدر ، نفى ذلك مبينا أنه لم يقصد غير تعاطي الأسباب على ما أمر الله وأن الأمر بعد ذلك إليه : إن شاء سبب عن الأسباب مسبباتها ، وإن شاء أبطل تلك الأسباب وأقام أسبابا تضادها ويتأثر عنها المحذور ، فقال : (وَما أُغْنِي) أي أجزي وأسد وأنوب (عَنْكُمْ مِنَ اللهِ) أي بعض أمر الملك الأعظم ، وعمم النفي فقال : (مِنْ شَيْءٍ) أي إن أراد بكم ، سواء كنتم مفترقين أو مجتمعين ، وهذا حكم التقدير ، ثم علل ذلك بقوله : (إِنِ) أي ما (الْحُكْمُ) وهو فصل الأمر بما تدعو إليه الحكمة (إِلَّا) الله أي الذي له الأمر كله ، لا يقدر أحد سواه على التفصي عن شيء من مراده والفرار من شيء من قدره ، ولهذا المعنى ـ وهو أنه لا ينفع أصلا سبب إلا بالله ـ أنزل الله التسمية مقرونة بهاء السبب أول
__________________
(١) حسن. أخرجه أحمد ٦ / ٤٣٨ والبيهقي في الشعب ١١٢٢٥ كلاهما من حديث أسماء بنت عميس.
وتقدم أيضا من حديث ابن عباس رواه مسلم وغيره.
(٢) صحيح. أخرجه مسلم ٢٦٦٤ والنسائي في الكبرى ١٠٤٥٧ و ١٠٤٥٨ و ١٠٤٥٩ و ١٠٤٦٠ وفي عمل اليوم الليلة ٦٢٣ و ٦٢٤ وابن ماجه ٧٩ و ٤١٦٨ وابن حبان ٥٧٢١ و ٥٧٢٢ وأبو نعيم ١٠ / ٢٩٦ والخطيب ١٢ / ٢٢٣ والبيهقي ١٠ / ٨٩ وأحمد ٢ / ٣٦٦ و ٣٧٠ كلهم من حديث أبي هريرة.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
