يباشر الأمور بنفسه كما هو فعل الكفاة الحزمة ، لا يثق فيه بغيره (فَعَرَفَهُمْ) لأنه كان مرتقبا لحضورهم لعلمه بجدب بلادهم وعقد همته بهم. مع كونه يعرف هيئاتهم في لباسهم وغيره ، ولم يتغير عليه كبير من حالهم. لمفارقته إياهم رجالا (وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ) ثابت إنكارهم عريق فيهم وصفهم به ، لعدم خطوره ببالهم لطول العهد ، مع ما تغير عليهم من هيئته بالسن وانضاف إليه من الحشم والخدم واللباس وهيئة البلد وهيبة الملك وعز السلطان ، وغير ذلك مما ينكر معه المعروف ، ويستوحش لأجله من المألوف ، وفق ما قال تعالى (لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) [يوسف : ١٥] والدخول : الانتقال إلى محيط ، والمعرفة : تبين الشيء بالقلب بما لو شوهد لفرق بينه وبين غيره مما ليس على خاص صفته.
ولما كان المعنى في قوة أن يقال : فطلبوا منه الميرة فباعهم بعد أن استخبرهم عن أمرهم ، وقال لهم : لعلكم جواسيس؟ وسألهم عن جميع حالهم. فأخبروه بأبيهم وأخيهم منه ، ليعلم صلاحهم ولا يظن أنهم جواسيس ، عطف عليه قوله : (وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ) أي يوسف عليه الصلاة والسّلام (بِجَهازِهِمْ) الذي جاؤوا له وقد أحسن إليهم ؛ والجهاز : فاخر المتاع الذي يحمل من بلد إلى بلد (قالَ) أي لهم (ائْتُونِي) أيها العصابة (بِأَخٍ لَكُمْ) كائن (مِنْ أَبِيكُمْ) يأتي برسالة من أبيكم الرجل الصالح حتى أصدقكم ، أو أنهم طلبوا منه لأخيهم حملا ، فأظهر أنه لم يصدقهم ، وطلب إحضاره ليعطيه ، فإنه كان يوزع الطعام على قدر الكفاية ؛ ثم رغبهم بإطماعهم في مثل ما فعل بهم من الإحسان ، وكان قد أحسن نزلهم ، فقال مقررا لهم بما رأوا منه : (أَلا تَرَوْنَ) أي تعلمون علما هو كالرؤية (أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ) أي أتمه دائما على ما يوجبه الحق (وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ) أضع الشيء في أولى منازله.
ولما رغبهم ، رهبهم فقال : (فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ) أي بأخيكم أول قدمة تقدمونها (فَلا كَيْلَ لَكُمْ) وعرفهم أنه لا يظلمهم بأنه لا يمنعهم من غيره فقال : (عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ) ومع ذلك فلم يخطر ببالهم أنه يوسف ، فكأنه قيل : فما قالوا؟ فقيل : (قالُوا سَنُراوِدُ) أي بوعد لا خلف فيه حين نصل عن (أَباهُ) أي نكلمه فيه وننازعه الكلام ونحتال عليه فيه ، ونتلطف في ذلك ، ولا ندع جهدا ؛ ثم أكدوا ذلك ـ بعد الجملة الفعلية المصدرة بالسين ـ بالجملة الاسمية المؤكدة بحرفي التأكيد ، فقالوا : (وَإِنَّا لَفاعِلُونَ) أي ما أمرتنا به والتزمناه ، وقد مضى عند (وَراوَدَتْهُ) أن المادة ـ يائية وواوية بهمز وبغير همز ـ تدور على الدوران ، ومن لوازمه القصد والإقبال والإدبار والرفق والمهلة ، وقد مضى بيان غير المهموز ، وأما المهموز فمنه درأه ، أي دفعه ـ لأن المدفوع
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
