قيل : إن الملك كان يتكلم بسبعين لسانا فكلمه بها ، فعرفها كلها ، ثم دعا للملك بالعبراني ، فلم يعرفه الملك فقال له : ما هذا اللسان؟ قال : لسان آبائي ، فعظم عنده جدا ، فكأنه قيل : فما قال الصديق؟ فقيل : (قالَ) ما يجب عليه من السعي في صلاح الدين والدنيا (اجْعَلْنِي) قيما (عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ) أي أرض مصر التي هي لكثرة خيرها كأنها الأرض ؛ ثم علله بما هو مقصود الملوك الذي لا يكادون يقفون عليه فقال : (إِنِّي حَفِيظٌ) أي قادر على ضبط ما إليّ أمين فيه (عَلِيمٌ) أي بالغ العلم بوجوه صلاحه واستنمائه فأخبر بما جمع الله له من أداتي الحفظ والفهم ، مع ما يلزم الحفظ من القوة والأمانة ، لنجاة العباد مما يستقبلهم من السوء ، فيكون ذلك سببا لردهم عن الدين الباطل إلى الدين الحق.
ولما سأل ما تقدم ، قال معلما بأنه أجيب بتسخير الله له : (وَكَذلِكَ) أي ومثل ما مكنا ليوسف في قلب الملك من المودة والاعتقاد الصالح وفي قلوب جميع الناس ، ومثل ما سأل من التمكين (مَكَّنَّا) أي بما لنا من العظمة (لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ) أي مطلقا لا سيما أرض مصر بتولية ملكها إياه عليها (يَتَبَوَّأُ) أي يتخذ منزلا يرجع إليه ، من باء ـ إذا رجع (مِنْها حَيْثُ يَشاءُ) بإنجاح جميع مقاصده ، لدخولها كلها تحت سلطانه. لتبقى أنفس أهل المملكة وما ولاها على يده ، فيحوز الأجر وجميل الذكر مع ما يزيد به من علو الشأن وفخامة القدر ، فكأنه قيل : لم كان هذا؟ فقال : لأمرين : أحدهما أن لنا الأمر كله (نُصِيبُ) على وجه الاختصاص (بِرَحْمَتِنا) بما لنا من العظمة (مَنْ نَشاءُ) من مستحق فيما ترون وغيره ، لا نسأل عما نفعل ، وقد شئنا إصابة يوسف بهذا ، والثاني أنه محسن يعبد الله فانيا عن جميع الأغيار (وَ) نحن (لا نُضِيعُ) بوجه (أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) أي العريقين في تلك الصفة وإن كان لنا أن نفعل غير ذلك ؛ روى أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الحكم في أول فتوح مصر من طريق الكلبي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : فأتاه الرسول فقال : ألق عنك ثياب السجن ، والبس ثيابا جددا ، وهو يومئذ ابن ثلاثين سنة ، فلما أتاه رأى غلاما حدثا فقال : أيعلم هذا رؤياي ولا يعلمها السحرة والكهنة! وأقعده قدامه ثم قال : قال عثمان ـ يعني ابن صالح ـ وغيره في حديثهما : فلما استنطقه وسايله (١) عظم في عينه ، وجل أمره في قلبه ، فدفع إليه خاتمة وولاه ما خلف بابه ـ ورجع إلى ابن عباس قال : وضرب بالطبل بمصر أن يوسف خليفة الملك ؛ وعن عكرمة أن فرعون قال ليوسف : قد سلطتك على مصر غير أني أريد أن أجعل كرسيّ أطول من كرسيك بأربع أصابع! قال يوسف : نعم.
__________________
(١) أي ساءله.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
