فكان جديرا بأن يركبه الله أبطل الباطل : الكفر عند الموت ، فتحرم عليه الجنة ، فإن من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه (سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ) [الأعراف : ٤٩] فيا ذل من تكبر على الحق! ويا عز من تشرف بالذل للحق والعز على الباطل! ولعمري لقد أجرى الله عادته ـ ولن تجد لسنة الله تحويلا أن من تعود الجراءة بالباطل كان ذليلا في الحق ، وإليه يشير قوله تعالى في وصف أحبابه (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ) [المائدة : ٥٤].
ولما كان التقدير بعد ما أرشد إليه السياق من مفعول (ينذر) : فإنا قادرون على إهلاكهم وجميع ما نريد منهم ، عطف عليه قوله : (وَكَمْ أَهْلَكْنا) بما لنا من العظمة ، ولما كان المراد التعميم ، أثبت الظرف عريا عن الجار ، وأكد الخبر بإثبات من بعده فقال : (قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ) كانوا أشد منهم شدة ، وأكثر عدة ، وأوثق عدة ، فلم يبق إلا سماع أخبارهم ، ومشاهدة آثارهم ؛ ثم قال تصويرا لحالهم ، وتقريرا لمضمون ما مضى من مآلهم : (هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ) ببصر أو لمس (أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً) أي صوتا خفيا فضلا عن أن يكون جليا ، فقد ختمت السورة بما بدئت به من الرحمة لأوليائه ، والود لأصفيائه ، والنعمة للذين خلفوا بعدهم من أعدائه ، بعد الرحمة للفريقين بهذا الكتاب بشارة ونذارة فحلت الرحمة على أوليائه ، وزلت عن أعدائه والله الموفق.
تم الجزء الرابع ويليه إن شاء الله الجزء الخامس
وأوله : تفسير سورة طه
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
