بالموت كحيلولة الوارث بين الموروث وبين الموروث عنه (وَيَأْتِينا) في القيامة (فَرْداً) مسكينا منعزلا عن كل شيء لا قدرة له على مال ولا ولد ، فلا عز له ، ولا قوة بشيء منهما ؛ روى البخاري في التفسير عن خباب رضي الله عنه قال : كنت قينا بمكة فعملت للعاص بن وائل السهمي سيفا ، فجئت أتقاضاه فقال : لا أعطيك حتى تكفر بمحمد ، قلت : لا أكفر بمحمد حتى يميتك الله ثم يحييك ، وفي رواية : حتى تموت ثم تبعث ، قال : وإني لمبعوث من بعد الموت؟ قلت : نعم! قال : فذرني حتى أموت ثم أبعث فسوف أوتى مالا وولدا فأقضيك ، فنزلت هذه الآية (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي) ـ إلى قوله : (فَرْداً)(١).
ولما أخبر تعالى بالبعث ، وذكر أن هذا الكافر يأتيه على صفة الذل ، أتبعه حال المشركين مع معبوداتهم ، فقال معجبا منهم عاطفا على قوله ويقول الإنسان : (وَاتَّخَذُوا) أي الكفار ، وجمع لأن نفي العز عن الواحد قد لا يقتضي نفيه عما زاد (مِنْ دُونِ اللهِ) وقد تبين لهم أنه الملك الأعلى الذي لا كفوء له (آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ) أي الكافرين (عِزًّا) لينقذوهم من العذاب.
ولما بين أنه لا يعزه مال ولا ولد ، وكان نفع الأوثان دون ذلك بلا شك ، نفاه بقوله : (كَلَّا) بأداة الردع ، لأن ذلك طلب للعز من معدن الذل من العبيد الذين من اعتز بهم ذل ، فإنهم مجبولون على الحاجة ، ومن طلب العز للدنيا طلبه من العبيد لا محالة ، فاضطر قطعا ـ لبنائهم على النقص ـ إلى ترك الحق واتباع الباطل ، فكانت عاقبة أمره الذل وإن طال المدى ، فإن الله تعالى ربما أمهل المخذول إلى أن ينتهي في خذلانه إلى أن يستحق لباس الذل ؛ ثم بين سبحانه ذلك بما يكون منهم يوم البعث فقال : (سَيَكْفُرُونَ) أي الآلهة بوعد لا خلف فيه وإن طال الزمان (بِعِبادَتِهِمْ) أي المشركين ، فيقولون لهم (ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ) [يونس : ٢٨](إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا) [البقرة : ١٦٦](وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ) أي الكفار ؛ ووحد إشارة إلى اتفاق الكلمة بحيث إنهم لفرط تضامهم كشيء واحد فقال : (ضِدًّا) أي أعداء فيكسبونهم الذل ، وكذا يفعل الكفار مع شركائهم ويقولون (وَاللهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ) فيقع بينهم العداوة كما قال تعالى (ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً) [العنكبوت : ٢٥].
ولما كان من المستبعد عندهم جواز رجوعهم عنهم فضلا عن كفرهم بهم ، دل
__________________
(١) أخرجه البخاري ٤٧٣٢ و ٤٧٣٣ وأحمد ٥ / ٠١١٠ من حديث خباب.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
