للشك أصلا ؛ ثم دل على كونه حقا في كونه ابن مريم لا غيرها بقوله ردا على من ضل : (ما كانَ) أي ما صح ولا تأتي ولا تصور في العقول ولا يصح ولا يتأتى لأنه من المحال لكونه يلزم منه الحاجة (لِلَّهِ) الغني عن كل شيء (أَنْ يَتَّخِذَ) ولما كان المقام يقتضي النفي العام ، أكده ب «من» فقال : (مِنْ وَلَدٍ).
ولما كان اتخاذ الولد من النقائص ، أشار إلى ذلك بالتنزيه العام بقوله : (سُبْحانَهُ) أي تنزه عن كل نقص من احتياج إلى ولد أو غيره ثم علل ذلك بقوله : (إِذا قَضى أَمْراً) أي أمر كان (فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ) أي يريده ويعلق قدرته به (فَيَكُونُ) من غير حاجة إلى شيء أصلا ، فكيف ينسب إلى الاحتياج إلى الإحبال والإيلاد والتربية شيئا فشيئا كما أشار إليه الاتخاذ.
ولما كان لسان الحال ناطقا عن عيسى عليه الصلاة والسّلام بأن يقول : وقد قضاني الله فكنت كما أراد ، فأنا عبد الله ورسوله فاعتقدوا ذلك ولا تعتقدوا سواه من الأباطيل ، عطف عليه في قراءة الحرميين وأبي عمرو قوله : (وَإِنَّ اللهَ) أي الذي له الأمر كله (رَبِّي وَرَبُّكُمْ) أي أحسن إلى كل منا بالخلق والرزق ، لا فرق بيننا في أصل ذلك (فَاعْبُدُوهُ) وحده لتفرده بالإحسان كما أعبده ، وقراءة الباقين بالكسر على أنه مقول عيسى عليهالسلام الماضي ، ويكون اعتراض ما تقدم من كلام الله بينهما للتأكيد والاهتمام.
ولما كان اشتراك الخلائق في عبادة الخالق بعمل القلب والجوارح علما وعملا أعدل الأشياء ، أشار إلى ذلك بقوله : (هذا) أي الذي أمرتكم به (صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ) لأنا بذلنا الحق لأهله بالاعتقاد الحق والعمل الصالح ، ولم يتفضل أحد منا فيه على صاحبه.
ولما كان المنهج القويم بحيث يكون سببا للاجتماع عند كل صحيح المزاج ، عجب منهم في استثمار غير ذلك منه فقال : (فَاخْتَلَفَ) أي فتسبب عن هذا السبب للاجتماع أنه اختلف (الْأَحْزابُ) الكثيرون. ولما كان الاختلاف لم يعم جميع المسائل التي في شرعهم قال : (مِنْ بَيْنِهِمْ) أي بني إسرائيل المخاطبين بذلك خاصة لم تكن فيهم فرقة من غيرهم في هذه المقالة القويمة التي لا تنبغي لمن له أدنى مسكة أن يتوقف في قبولها ، فمنهم من أعلم أنها الحق فاتبعها ولم يحد عن صوابها ، ومنهم من أبعد في الضلال عنها بشبه لا شيء أو هي منها ؛ روي عن قتادة أنه اجتمع من أحبار بني إسرائيل أربعة : يعقوب ونسطور وملكا وإسرائيل ، فقال يعقوب : عيسى هو الله نزل إلى الأرض فكذبه الثلاثة واتبعه اليعقوبية ، وقال نسطور : عيسى ابن الله فكذبه الاثنان واتبعه
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
