ودلت عليه رؤيا الملك من البقرات العجاف والسنابل اليابسات (يَأْكُلْنَ) أسند الأكل إليهن مجازا عن أكل أهلهن تحقيقا للأكل (ما قَدَّمْتُمْ) أي بالادخار من الحبوب (لَهُنَ) والتقديم : التقريب إلى جهة القدام ، وبشرهم بأن الشدة تنقضي ولم يفرغ ما أعدوه ، فقال : (إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ) والإحصان : الإحراز ، وهو إلقاء الشيء فيما هو كالحصن المنيع ـ هذا تعبير الرؤيا ، ثم زادهم على ذلك قوله : (ثُمَّ يَأْتِي) وعبر بالجار لمثل ما مضى فقال : (مِنْ بَعْدِ ذلِكَ) أي الجدب العظيم (عامٌ) وهو اثنا عشر شهرا ، ونظيره الحول والسنة ، وهو مأخوذ من العوم ـ لما لأهله فيه من السبح الطويل ـ قاله الرماني. والتعبير به دون مرادفاته إشارة إلى أنه يكون فيه ـ من السعة بعموم الريّ وظهور الخصب وغزير البركة ـ أمر عظيم ، ولذا اتبعه بقوله : (فِيهِ).
ولما كان المتشوف إليه الإغاثة ، على أنه من المعلوم أنه لا يقدر عليها إلا الله ، قال بانيا للمفعول : (يُغاثُ النَّاسُ) من الغيث وهو المطر ، أو من الغوث وهو الفرج ، ففي الأول يجوز بناءه من ثلاثي ومن رباعي ، يقال غاث الله الأرض وأغاثها : أمطرها ، وفي الثاني هو من رباعي خاصة ، يقال : استغاث به فأغاثه ، من الغوث وهو واوي ، ومعناه النفع الذي يأتي على شدة حاجته بنفي المضرة ، والغيث يائي وهو المطر الذي يأتي في وقت الحاجة (وَفِيهِ) أي ذلك العام الحسن.
ولما كان العصر للأدهان وغيرها لا يكون إلا عن فضلة ، قال : (يَعْصِرُونَ) أي يخرجون عصارات الأشياء وخلاصاتها ، وكأنه أخذ من انتهاء القحط ابتداء الخصب الذي دل عليه العصر في رؤيا السائل ، والخضرة والسمن في رؤيا الملك فإنه ضد القحط ، وكل ضدين انتهاء أحدهما ابتداء الآخر لا محالة ، فجاء الرسول فأخبر الملك بذلك ، فأعجبه ووقع في نفسه صدقه (وَقالَ الْمَلِكُ) أي الذي العزيز في خدمته (ائْتُونِي بِهِ) لأسمع ذلك منه وأكرمه ، فأتاه الرسول ليأتي به إلى الملك (فَلَمَّا جاءَهُ) أي يوسف عليه الصلاة والسّلام عن قرب من الزمان (الرَّسُولُ) بذلك وهو الساقي (قالَ) له يوسف : (ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ) أي سيدك الملك (فَسْئَلْهُ) بأن تقول له مستفهما (ما بالُ النِّسْوَةِ) ولوح بمكرهن به ولم يصرح ، ولا ذكر امرأة العزيز كرما وحياء فقال : (اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَ) أي ما خبرهن في مكرهن الذي خالطني ، فاشتد به بلائي فإنهن يعلمن أن امرأة العزيز ما دعتهن إلا بعد شهادتهن بأنها راودتني ، ثم اعترفت لهن بأنها راودتني ، وأني عصيتها أشد عصيان ، فإذا سألهن بان الحق ، فإن ربك جاهل بأمرهن.
ولما كان هذا موطنا يسأل فيه عن علم ربه سبحانه لذلك ، قال مستأنفا مؤكدا لأنهم عملوا في ذلك الأمر بالجهل عمل المكذب بالحساب الذي هو نتيجة العلم : (إِنَ
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
