مستقرب المستغرب من عظمتنا بلا واسطة تعليم ولا تجربة (وَزَكاةً) أي طهارة في نيته تفيض على أفعاله وأقواله (وَكانَ) أي جبلة وطبعا (تَقِيًّا) حوافا لله تعالى (وَبَرًّا) أي واسع الأخلاق محسنا (بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ) جبلة وطبعا (جَبَّاراً) عليهما ولا على غيرهما ؛ ثم قيده بقوله : (عَصِيًّا) إشارة إلى أنه يفعل فعل الجبارين من الغلظة والقتل والبطش بمن يستحق ذلك كما قال تعالى لخاتم النبيين صلىاللهعليهوسلم (جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) [التحريم : ٩] فكان مطيعا لله قائما بحقوقه وحقوق عباده على ما ينبغي ، فهنيئا له ما أعطاه من هذه الخلال القاضية بالكمال ، والتعبير بصيغة المبالغة يفهم أن المنفي الجبل عليها ، وما دونها يذهبه الله بغسل القلب أو غيره (وَسَلامٌ) أي أيّ سلام (عَلَيْهِ) منا (يَوْمَ وُلِدَ) من كل سوء يلحق بالولادة وما بعدها في شيء من أمر الدين (وَيَوْمَ يَمُوتُ) من كرب الموت وما بعده ، ولعله نكر السّلام لأنه قتل فما سلم بدنه بخلاف ما يأتي في عيسى عليه الصلاة والسّلام (وَيَوْمَ يُبْعَثُ) من كل ما يخاف بعد ذلك (حَيًّا) حياة هي الحياة للانتفاع بها ، إجابة لدعوة أبيه في أن يكون رضيا ، وخص هذه الأوقات لأن من سلم فيها سلم في غيرها لأنها أصعب منه ؛ أخرج الطبراني عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «كل بني آدم يلقى الله يوم القيامة بذنب وقد يعذبه عليه إن شاء أو يرحمه إلا يحيى بن زكريا عليهماالسلام فإنه كان سيدا وحصورا ونبيا من الصالحين ، وأهوى النبي صلىاللهعليهوسلم إلى قذاة من الأرض فأخذها وقال : ذكره مثل هذه القذاة» (١). قال الهيثمي : وفيه حجاج ابن سليمان الرعيني وثقه ابن حبان وغيره وضعفه أبو زرعة وغيره ، وبقية رجاله ثقات ، وأخرجه أيضا عن عبد الله بن عمرو وابن عباس رضي الله عنهم ، لكن ليس فيه ذكر الذكر ، ولفظ ابن عباس رضي الله عنهما : كنت في حلقة في المسجد نتذاكر فضائل الأنبياء ـ فذكره حتى قال : فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «ما ينبغي أن يكون أحد خيرا من يحيى بن زكريا ، قلنا : يا رسول الله! وكيف ذاك؟ قال : ألم تسمعوا الله كيف نعته في القرآن؟ (يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ) ـ إلى قوله : (حَيًّا) ، مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصلحين لم يعمل سيئة ولم يهم بها» (٢). ورواه أيضا البزار وفيه علي بن زيد بن جدعان ضعفه الجمهور ـ وقد وثق ، وبقية رجاله ثقات. وأشار سبحانه بالتنقل في هذه الأطوار إلى موضع الرد على من
__________________
(١) أخرجه الطبراني كما في المجمع. / ٢٠٩ وأخرجه ابن عدي كما في الميزان ١ / ٤٦٢ وأخرجه الحاكم عن عمرو بن العاص ٢ / ٣٧٣ وفيه العطاردي وهو ضعيف ويونس فيه كلام.
(٢) أخرجه الطبراني والبزار كما في المجمع والحاكم ٢ / ٥٩١ وفيه علي بن زيد وهو ضعيف وكذا أخرجه أحمد ١ / ٢٩٢ عن ابن عباس وأخرجه الحاكم عن الحسن مرسلا وإسناده جيد ولعله المحفوظ.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
