وقصدوا قتله على وجه معرب عن شأنه غاية الإعراب ، مبين فيه وجه الصواب ، متمما لتبكيت اليهود الآمرين لقريش بالتعنت بالسؤال بالإشارة إلى قتل زكريا ويحيى عليهما الصلاة والسّلام وادعاء صلب المسيح الذي بشرت به التوراة ، وهم الآن ينتظرونه ويدعون أنهم أخص الناس به ، وقذف أمه ـ وحاشاها ـ دالا بذلك على القدرة على البعث ؛ قال في التوراة في آخر السفر الأول : إن يعقوب عليه الصلاة والسّلام أخبر بقرب وفاته وقال لبنيه : اجتمعوا إليّ فأبين لكم ما هو كائن من أمركم في آخر الأيام ، اجتمعوا واسمعوا يا بني يعقوب! انصتوا لإسرائيل أبيكم! ثم قال : يا يهوذا! لك يعترف إخوتك بتعالي يدك على رقاب أعدائك ، وليسجد لك بنو أبيك ، شبل الليث يهوذا ، كما أنه خلص ابني من القتل ، ربض وجثم مثل الضرغام ومثل شبل الليث ، من ذا يقيمه عن فريسته ، لا يزول القضيب من آل يهوذا ، لا يعدم سبط يهوذا ملكا مسلطا وأفخاذه نبيا مرسلا حتى يأتي الذي له الملك ـ وفي نسخة : الكل ـ وإياه تنتظر الشعوب ، يربط بالحبلة جحشه ، عيناه أشد شهولة من الخمر ، وأسنانه أشد بياضا من اللبن ـ هذا نصه ، وعند اليهود أنه المسيح ، ويسمونه مع ذلك المنتظر والمهدي ، وعندهم أنه ينصرهم ويخلصهم مما هم فيه من الذل ، فقلت لبعضهم : أشهد أنه المسيح ابن مريم الذي أتى وتبعه النصارى وعاديتموه حتى رفعه الله تعالى ، فقال الذي في التوراة أنه يكون له الكل ، وعيسى ما كان كذلك ، فقلت : إنه يكون له الكل حين ينزل تابعا لديننا من حيث إنه لا يقبل إلا الإسلام ، فيطبق أهل الأرض على إتباعه عليه ، ويسعد به منكم من يتبعه ، ويزول عنه الذل ، وهذا لا ينافي كلام التوراة فإنه لم يقيد ذلك بساعة إتيانه. فلم يقبل ذلك ، ثم إنه أتى إليّ يوما بكتاب من كتبهم في شرح سفر الأنبياء فقال في الكلام على البشائر المتعلقة بالمسيح «ولا يبعد أن يبدو لإسرائيل ثم يختفي ثم يظهر فيكون له الكل» فقلت له : انظر وتبصر! هذا عين ما ذكرته لك من قبل فبهت لذلك فقلت : أطعني وأسلم! ففكر ثم قال : حتى يريد الله تعالى.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في برهانه : لما قال تعالى (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً) ثم أورد خبرهم وخبر الرجلين وموسى والخضر عليهماالسلام وقصة ذي القرنين ، أتبع سبحانه ذلك بقصص تضمنت من العجائب ما هو أشد عجبا وأخفى سببا ، فافتتح سورة مريم بيحيى بن زكريا وبشارة زكريا به بعد الشيخوخة وقطع الرجاء وعقر الزوج حتى سأل زكريا مستفهما ومتعجبا (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا) [مريم : ٨] فأجابه تعالى بأن ذلك عليه هين ، وأنه يجعل ذلك آية للناس ، وأمر هذا أعجب من القصص المتقدمة ، فكان
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
