بسم الله الرحمن الرّحيم
سورة مريم
مكية ـ آياتها ثمان وتسعون
مقصودها بيان اتصافه سبحانه بشمول الرحمة بإفاضة النعم على جميع خلقه ، المستلزم للدلالة على اتصافه لجميع صفات الكمال ، المستلزم لشمول القدرة على إبداع المستغرب ، المستلزم لتمام القدرة الموجب للقدرة على البعث والتنزه عن الولد لأنه لا يكون إلا لمحتاج ، ولا يكون إلا مثل الوالد ، ولا سميّ له سبحانه فضلا عن مثيل ، وعلى هذا دلت تسميتها بمريم ، لأن قصتها أدل ما فيها على تمام القدرة وشمول العلم ، لأن أغرب ما في المخلوقات وأجمعه خلقا الآدمي ، وأعجب أقسام توليده الأربعة ـ بعد كونه آدميا ـ ما كان من أنثى بلا توسط ذكر ، لأن ذلك أضعف الأقسام ، وأغرب ذلك أن يتولد منها على ضعفها أقوى النوع وهو الذكر ، ولا سيما إن أوتي قوة الكلام والعلم والكتاب في حال الطفولية ، وأن يخبر بسلامته الكاملة فيكون الأمر كذلك ، لم يقدر أحد ـ مع كثرة الأعداء ـ على أن يمسه بشيء من أذى ، هذا إلى ما جمعته من إخراج الرطب في غير حينه من يابس الحطب ، ومن إنباع الماء في غير موضعه ، وعلى مثل ذلك أيضا دلت تسميتها بما في أولها من الحروف ، بيان ذلك أن مخرج الكاف من أقصى اللسان بما يلي الحلق ويحاذيه من أسفل الحنك ، وهي أدنى من مخرج القاف قليلا إلى مقدم الفم ، ولها من الصفات الهمس والشدة والانفتاح والاستفال ، ومخرج الهاء من أقصى الحلق لكنها أدنى من الهمزة إلى جهة اللسان قليلا ، ولها من الصفات الهمس والرخاوة والانفتاح والاستفال والخفاء ، ومخرج الياء من وسط اللسان ووسط الحنك الأعلى ، ولها من الصفات الجهر والرخاوة والانفتاح والاستفال ، وهو أغلب صفاتها ، ومخرج العين من وسط الحلق ، ولها من الصفات الجهر وبين الشدة والرخاوة والانفتاح والاستفال ، ومخرج الصاد من طرف رأس اللسان وبين أصول الثنيتين السفليين ، وله من الصفات الهمس والرخاوة والإطباق والاستعلاء والصفير ، فالافتتاح بهذه الأحرف هنا إشارة ـ والله أعلم ـ إلى أن أهل الله عامة ـ من ذكر منهم في هذه السورة وغيرهم ـ يكون
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
