التعنت وهو أن يجعلوا الواو للحال فيجعلوا النفاد مقيدا بذلك ، وأما سورة لقمان فاقتضى سياقها في تأسيس ما فيها على (الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) [لقمان : ٢٦] ومقصودها أن يكون التعبير فيها بغير ما ههنا ، فما في كل سورة أبلغ بالنسبة إلى سياقه ، مع أنه ليس في إفصاح واحدة منهما ما يدل على نفاد الكلمات ولا عدمه ، وفي إفهام كل منهما بتدبر القرائن في السياق وغيره ما يقطع بعدم نفادها ، ولا تخالف بين الآيتين وإن كان التعبير في هذه السورة أدخل في التشابه ، ويجاب عنه بما قالوا في مثل قول الشاعر «على لاحب (١) لا يهتدى بمناره» من أن ما في حيز السلب لا يقتضي الوجود ، ولعل التعبير بمثل ذلك من الفتن المميزة بين من في قلبه مرض وبين الراسخ الذي يرد المتشابه إلى المحكم ، وهو ما دل عليه البرهان القاطع من أن الله تعالى لا نهاية لذاته ، ولا لشيء من صفاته ، بل هو الأول والآخر الباقي بلا زوال ـ والله أعلم.
ولما كانوا ربما قالوا : ما لك لا تحدثنا من هذه الكلمات بكل ما نسألك عنه حيثما سألناك؟ وكانوا قد استنكروا كون النبي بشرا ، وجوزوا كون الإله حجرا ، وغيوا إيمانهم به بأمور سألوه في الإتيان بها كما تقدم بعد أول مسائلهم ، وهي الروح آخر سبحن ، وكان قد ثبت بإجابتهم عن المسائل على هذا الوجه أنه رسول ، أمره سبحانه أن يجيبهم عن ذلك كله بما يرد عليهم غلطهم ، ويفضح شبههم ، إرشادا لهم إلى أهم ما يعنيهم من الحرف الذي النزاع كله دائر عليه وهو التوحيد فقال : (قُلْ إِنَّما أَنَا) أي في الاستمداد بالقدرة على إيجاد المعدوم والإخبار بالمغيب (بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) أي لا أمر لي ولا قدرة إلا على ما يقدرني عليه ربي ، ولا استبعاد لرسالتي من الله فإن ذلك سنته فيمن قبلي (يُوحى إِلَيَ) أي من الله الذي خصني بالرسالة كما أوحى إلى الرسل قبلي ما لا غنى لأحد عن علمه واعتقاده (أَنَّما إِلهُكُمْ) وأشار إلى أن إلهيته بالإطلاق لا بالنظر إلى جعل جاعل ولا غير ذلك فقال : (إِلهٌ واحِدٌ) أي لا ينقسم بمجانسة ولا غيرها ، قادر على ما يريد ، لا منازع له ، لم يؤخر جواب ما سألتموني عنه من عجز ولا جهل ولا هوان بي عليه ـ هذا هو الذي يعني كل أحد علمه ، وأما ما سألتم عنه من أمر الروح والقصتين تعنتا فأمر لو جهلتموه ما ضركم جهله ، وإن اتبعتموني علمتموه الآن وما دل عليه من أمر الساعة إيمانا بالغيب علم اليقين ، وعلمتموه بعد الموت بالمشاهدة عين اليقين ، وبالمباشرة حق اليقين ، وإن لم تتبعونى لم ينفعكم علمه (فَمَنْ) أي فتسبب عن وحدته المستلزمة لقدرته أنه من (كانَ يَرْجُوا) أي يؤمن بمجازاته له على أعماله في
__________________
(١) هو الطريق الواسع.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
