فتساءلا ، ثم إن شهربراز قال لعبد الرحمن : أيها الأمير! أتدري من أين جاء هذا الرجل؟ إني بعثته منذ سنين نحو السد لينظر لي ما حاله ومن دونه ، وزودته مالا عظيما ، وكتبت له إلى من يليني وأهديت له وسألته أن يكتب إلى من وراءه ، وزودته لكل ملك هدية ، ففعل ذلك بكل ملك بيني وبينه حتى انتهى إلى الملك الذي السد في ظهر أرضه ، فكتب له إلى عامله على ذلك البلد ، فأتاه فبعث معه بازياره ومعه عقابه ، فذكر أنه أحسن إلى البازيار ، قال : فتشكر لي البازيار فلما انتهينا إذا جبلان بينهما سد مسدود حتى ارتفع على الجبلين بعد ما استوى بهما ، وإذا دون السد خندق أشد سوادا من الليل لبعده ، فنظرت إلى ذلك وتفرست فيه ، ثم ذهبت لأنصرف فقال لي البازيار : على رسلك! أكافيك أنه لا يلي ملك بعد ملك إلا تقرب إلى الله تعالى بأفضل ما عنده من الدنيا فيرمي به في هذا اللهب ، فشرح بضعة لحم معه فألقاها في ذلك الهواء وانقضت عليها العقاب وقال : إن أدركتها قبل أن تقع فلا شيء ، وإن لم تدركها حتى تقع فذلك شيء ، فخرجت علينا باللحم في مخالبها وإذا فيه ياقوتة فأعطانيها ، وهي هذه ، فتناولها منه شهربراز وهي حمراء فناولها عبد الرحمن فنظر إليها ثم ردها إليه فقال شهربراز : هذه خير من هذه البلدة ـ يعني الباب ـ وايم الله! لأنتم أحب إليّ ملكة من آل كسرى ، ولو كنت في سلطانهم ثم بلغهم خبرها لانتزعوها مني ، وايم الله! لا يقوم لكم شيء ما وفيتم أو وفي ملككم الأكبر ، فأقبل عبد الرحمن على الرسول وقال : ما حال الردم وما شبهه؟ فقال : هذا الثوب الذي على هذا الرجل ، وأشار إلى مطر بن ثلج وكان عليه قباء برود يمنية أرضه حمراء ووشيه أسود ، أو وشيه أحمر وأرضه سوداء ، فقال مطر : صدق والله الرجل! لقد نفذ ورأى ، قال عبد الرحمن : أجل! ووصف صفة الحديد والصفر وقرأ (آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ) إلى آخر الآية ، وقال عبد الرحمن لشهربراز : كم كانت هديتك؟ قال : قيمة مائة ألف في بلادي هذه ، وثلاثة آلاف ألف أو أكثر في تلك البلدان ـ انتهى. وقد ظهر أن ما تعنتوا به من قصتي أصحاب الكهف وذي القرنين وما أدرج بينهما تبكيتا لليهود الآمرين بذلك ـ دال من قصة موسى عليهالسلام على قيام الساعة فصار كله أعظم ملزم لهم إن قبلوه ، وأوضح فاضح لعنادهم إن تركوه.
ولما انقضى ما سألوا عنه على أحسن وجه في أبلغ سياق وأبدع تناسب ، وأدرج في خلاله ما أدرج من التذكير والوعظ ، والأمر والنهي ، والوعد والوعيد ، والترغيب والترهيب ، والتبكيت للكاتمين لما عندهم من العلم ، الناكبين عما استبان لهم من الطريق اللاحب والمنهج الواضح صنع القادر الحكيم الذي لا يستخفه ضجر فيستعجل ، ولا يعيبه أمر فيستمهل ، وختمه بما هو علم عظيم للساعة ، ذكر ما يكون إذ ذاك وما
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
