(إِذْ) أي حين (جاءَهُمُ الْهُدى) بالكتاب على لسان الرسول ، وعطف على المفعول الثاني ـ معبرا بمثل ما مضى لما مضى ـ قوله تعالى : (وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ) أي المحسن إليهم.
ولما كان الاستثناء مفرغا ، أتي بالفاعل فقال تعالى : (إِلَّا أَنْ) أي طلب أن (تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ) في إجابتهم إلى ما اقترحوه على رسلهم ، المقتضي للاستئصال لمن استمر على الضلال ، ومن ذلك طلبهم أن يكون النبي ملكا ، وذلك نقمة في صورة نعمة وإتيان بالعذاب دبرا ، أي مستورا (أَوْ) طلب أن (يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلاً) أي مواجهة ومعاينة ومشاهدة من غير ستر له ، هو في قراءة من كسر القاف وفتح الباء واضح ، من قولهم : لقيت فلانا قبلا ، أي معاينة ، وكذا في قراءة من ضمهما ، من قولهم : أنا آتيك قبلا لا دبرا ، أي مواجهة من جهة وجهك لا من جهة قفاك ، قال تعالى : (إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ) [يوسف : ٢٦] ، ويصح أن يراد بهذه القراءة الجماعة ، لأن المراد بالعذاب الجنس أي يأتيهم أصنافا مصنفة صنفا صنفا ونوعا نوعا ، وقد مضى في الأنعام بيانه ، وهذا الشق قسيم الإتيان بسنة الأولين ، فمعناه : من غير أن يجابوا إلى ما اقترحوا كما تقدم في التي قبلها (فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ) ـ إلى قوله تعالى : (أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً) [الإسراء : ٩٢] الآية وهذه الآية من الاحتباك : ذكر (سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ) أولا يدل على ضدها ثانيا ، وذكر المكاشفة ثانيا يدل على المساترة أولا.
ولما كان ذلك ليس إلى الرسول ، إنما هو إلى الإله ، بينه بقوله تعالى : (وَما نُرْسِلُ) على ما لنا من العظمة التي لا أمر لأحد معنا فيها (الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ) بالخير على أفعال الطاعة (وَمُنْذِرِينَ) بالشر على أفعال المعصية ، فيطلب منهم الظالمون من أممهم ما ليس إليهم من فصل الأمر (وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي يجددون الجدال كلما أتاهم أمر من قبلنا (بِالْباطِلِ) من قولهم : لو كنتم صادقين لأتيتم بما نطلب منكم ، مع أن ذلك ليس كذلك لأنه ليس لأحد غير الله من الأمر شيء (لِيُدْحِضُوا) أي ليزلقوا فيزيلوا ويبطلوا (بِهِ الْحَقَ) الثابت من المعجزات المثبتة لصدقهم.
ولما كان لكل مقام مقال ، ولكل مقال حد وحال ، فأتى في الجدال بصيغة الاستقبال ، وكان اتخاذ الاستهزاء أمرا واحدا ، أتى به ماضيا فقال تعالى : (وَاتَّخَذُوا) أي كلفوا أنفسهم أن أخذوا (آياتِي) بالبشارات التي هي المقصودة بالذات لكل ذي روح (وَما أُنْذِرُوا) من آياتي ، بني للمفعول لأن الفاعل معروف والمخيف الإنذار (هُزُواً) مع بعدهما جدا عن ذلك ، فلا بالرغبة أطاعوا ، ولا للرهبة ارتاعوا ، فكانوا شرا من البهائم.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
