أي صاحب الجنان (يُحاوِرُهُ) أي يراجعه الكلام ، من حار يحور ـ إذا رجع افتخارا عليه وتقبيحا لحاله بالنسبة إليه ، والمسلم يحاوره بالوعظ وتقبيح الركون إلى الدنيا : (أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً) لما ترى من جناني وثماري (وَأَعَزُّ نَفَراً) أي ناسا يقومون معي في المهمات ، وينفرون عند الضرورات ، لأن ذلك لازم لكثرة المال (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ) وحد لإرادة الجنس ودلالة على ما أفاده الكلام من أنهما لاتصالهما كالجنة الواحدة ، وإشارة إلى أنه لا جنة له غيرها لأنه لا حظ له في الآخرة (وَهُوَ) أي والحال أنه (ظالِمٌ لِنَفْسِهِ) بالاعتماد على ماله والإعراض عن ربه ؛ ثم استأنف بيان ظلمه بقوله : (قالَ) لما استولى عليه من طول أمله وشدة حرصه وتمادي غفلته واطراحه للنظر في العواقب بطول المهلة وسبوغ النعمة : (ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ) أي تهلك هلاكا ظاهرا مستوليا (هذِهِ أَبَداً) ثم زاد في الطغيان والبطر بقصر النظر على الحاضر فقال : (وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً) استلذاذا بما هو فيه وإخلادا إليه واعتمادا عليه.
ولما كان الإنسان مجبولا على غلبة الرجاء عليه ، فإذا حصل له من دواعي الغنى وطول الراحة وبلوغ المأمول والاستدراج بالظفر بالسؤال ما يربيه ، ويثبت أصوله ويقويه ، اضمحل الخوف فلم يزل يتضاءل حتى يتلاشى فكان عدما ، فقال تعالى حاكيا عن هذا الكافر ما أثمر له الرجاء من أمانه من سوء ما يأتي به القدر مقسما : (وَلَئِنْ رُدِدْتُ) أي ردني راد (إِلى رَبِّي) المحسن إلي في هذه الدار ، في السعة على تقدير قيامها الذي يستعمل في فرضه أداة الشك (لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها) أي هذه الجنة ؛ وقرأ ابن كثير وابن عامر بالتثنية للجنتين (مُنْقَلَباً) أي من جهة الانقلاب وزمانه ومكانه ، لأنه ما أعطاني ذلك إلا باستحقاقي ، وهو وصف لي غير منفك في الدارين ، وإن لم يقولوا نحو هذا بألسنة مقالهم فإن ألسنة أحوالهم ناطقة به ، فكأنه قيل : إن هذا لفي عداد البهائم حيث قصر النظر على الجزئيات ، ولم يجوز أن يكون التمويل استدراجا ، فما قال له الآخر؟ فقيل : (قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ) أي والحال إن ذلك الصاحب (يُحاوِرُهُ) منكرا عليه : (أَكَفَرْتَ).
ولما كان كفره بإنكار البعث ، دل عليه بقوله تعالى : (بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ) بخلق أصلك (ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ) متولدة من أغذية أصلها تراب (ثُمَّ سَوَّاكَ) بعد أن أولدك وطورك في أطوار النشأة (رَجُلاً) حيث نفيت إعادته لمن ابتدأ خلقهم على هذا الوجه تكذيبا للرسل واستقصارا للقدرة ، ولم تثبت لها في الإعادة ما ثبت لها بعلمك في الابتداء ، ثم لم تجوزها بعد القطع بالنفي إلا على سبيل الفرض بأداة الشك ، وهي من دعائم أصول الدين الذي لا يقتنع فيه إلا بالقطع ، ونسبته إلى العبث الذي لا يرضاه
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
