كله ، وهو القرآن العظيم ، وعظم أمره بما ذكر في الإسراء إلى أن اقتضى الحال في إنهاء عظمته أن يدل على إصلاح الوجود به بما حرره وفصله وقرره من أمر السؤالين الباقيين اللذين هما من ظاهر الملك فيما ضم إليهما مما تم به الأمر ، واتضح به ما له من جليل القدر ، كان الأكمل في ذلك أن يكون ما انتظم به ذلك سورة على حدتها ، ولما كان أمر أهل الكهف من حفظ الروح في الجسد على ما لم يعهد مثله ثم إفاضتها ، قدم الجواب عن السؤال عنهم ليلي أمر الروح ، وختم بذي القرنين لإحاطة أمره بما طاف من الأرض ، ولما جعل من السد علما على انقضاء شأن هذه الدار وختام أمرها ، وطي ما برز من نشرها. والله سبحانه وتعالى أعلم.
ولما كان صلّى الله عليه وعلى آله وسلم شديد الحرص على إيمانهم شفقة عليهم وغيرة على المقام الإلهي الذي ملأ قلبه تعظيما له ، خفض عليه سبحانه بقوله تعالى : (فَلَعَلَّكَ باخِعٌ) أي فتسبب عن قولهم هذا ، المباين جدا لما تريد لهم ، الموجب لإعراضهم عنك أنك تشفق أنت ومن يراك على تلك الحالة من أتباعك من أن تكون قاتلا (نَفْسَكَ) من شدة الغم والوجد ، وأشار إلى شدة نفرتهم وسرعة مفارقتهم وعظيم مباعدتهم بقوله تعالى : (عَلى آثارِهِمْ) أي حين تولوا عن إجابتك فكانوا كمن قوضوا خيامهم وأذهبوا أعلامهم (إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا).
ولما صور بعدهم ، صور قرب ما دعاهم إليه ويسر تناوله بقوله تعالى : (بِهذَا الْحَدِيثِ) أي القيم المتجدد تنزيله على حسب التدريج (أَسَفاً) منك على ذلك ، والأسف : أشد الحزن والغضب ؛ ثم بين علة إرشاده إلى الإعراض عنهم بغير ما يقدر عليه من التبليغ للبشارة والنذارة بأنهم لم يخرجوا عن مراده سبحانه ، وأن الإيمان لا يقدر على إدخاله قلوبهم غيره فقال تعالى : (إِنَّا) أي لا نفعل ذلك لأنا (جَعَلْنا) بما لنا من العظمة (ما عَلَى الْأَرْضِ) من المواليد الثلاثة : الحيوان والمعدن والنبات (زِينَةً لَها) بأن حسنّاه في العيون ، وأبهجنا به النفوس ، ولو لا مضرة الحيوانات المؤذية من الحشرات وغيرها كانت الزينة بها ظاهرة ، والظاهر أنه لو أطاع الناس كلهم لذهبت مضرتها فبدت زينتها ، كما يكون على زمن عيسى عليهالسلام حيث تصير لعبا للولدان.
ولما أخبر بتزيينها ، أخبر بعلته فقال تعالى : (لِنَبْلُوَهُمْ) أي نعاملهم معاملة المختبر الذي يسأل لخفاء الأمر عليه بقوله تعالى : (أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) أي بإخلاص الخدمة لربه ، فيصير ما كنا نعلمه منهم ظاهرا بالفعل تقام به عليهم الحجة على ما يتعارفونه بينهم بأن من أظهر موافقة الأمر فيما نال من الزينة حاز المثوبة ، ومن اجترأ على مخالفة الأمر بما آتيناه منها فعمل على أنها للتنعم بها فقط استحق العقوبة. ولما كان دعاء الزينة إلى حقيقة الحياة الدنيا من اللهو واللعب ظاهرا لموافقته لما طبعت عليه النفوس من الهوى لم يحتج إلى التنبيه عليه أكثر من لفظ الزينة.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
