شبعه ويغدر بعبيده ، أرسل موسى عبده وهارون صفيه ، فصنعا فيهم آياته وعجائبه في أرض حام ، بعث ظلمة فصار ليلا ، وأسخطوا كلامه ، فحول مياههم دما ، وأمات حيتانهم ، وانبعثت أرضهم ضفادع في قياطين ملوكهم ، أمر الهوام فجاء وذباب الكلب والقمل في جميع تخومهم ، جعل أمطارهم بردا ، واشتعلت النار في أرضهم ، ضرب كرومهم وتبنهم ، وكسر شجر تخومهم ، أذن للجراد فجاء وذباب لا يحصى ، فأكل جميع عشب الأرض وثمارها ، وقتل كل أبكار مصر وأول ولد ولد لهم غير أنه لم يذكر العصى ، وكأن ذلك لشهرتها جدا عندهم ، ولأن جميع الآيات كانت بها ، فهي في الحقيقة الآية الجامعة للكل ، وإنما قلت : إن الآيات هذه ، لأن السياق يدل على أن فرعون رآها كلها ، وعاند بعد رؤيتها ، وذلك إشارة إلى أنه لو أعطى كفار قريش ما اقترحوه من تفجير الينبوع وما معه ، لم يكفهم عن العناد ، فالإتيان به عبث لا مصلحة فيه.
ولما كان اليهود الذين أمروا قريشا بسؤال النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلم عن الروح التي مضى الجواب عنها ـ كما في بعض الروايات ـ وعن أهل الكهف وذي القرنين الآتي شرح قصتيهما في الكهف ، نبههم على سؤالهم ـ إن كانوا يقبلون كلامهم ـ عن أمر موسى عليهالسلام في كونه كهذا النبي الكريم في أنه بشر مع كونه رسولا وفي كونه أتى بالخوارق فكذب بها المعاندون فاستؤصل المكذب ، فقال تعالى : (فَسْئَلْ) أي يا أعظم خلقنا! (بَنِي إِسْرائِيلَ) أي عامة الذين نبهوا قريشا على أمر الروح عن حديث موسى عليهالسلام أو المؤمنين كعبد الله بن سلام وأصحابه (إِذْ) أي عن ذلك حين (جاءَهُمْ) أي جاء آباءهم ، فوقع له من التكذيب بعد إظهار المعجزات الباهرات ما وقع لك ، ولم يكذب لخلل من أمره ولا لقوة من عدوه على مدافعة العذاب ، وإنما كان جهلا وعنادا ، ليكون ذلك مسلاة لك وعلما على خبث طباعهم وحجة قاطعة عليهم (فَقالَ) أي فذهب إلى فرعون فأمره بإرسالهم معه فأبى فأظهر له الآيات واحدة بعد أخرى فتسبب عن ذلك ضد ما يقتضيه الحال ، وهو أن قال (لَهُ فِرْعَوْنُ) عتوا واستكبارا : (إِنِّي لَأَظُنُّكَ) أكد قوله لما أظهر موسى عليهالسلام مما يوجب الإذعان له والإيمان والإنكار لأن يكذبه أحد (يا مُوسى مَسْحُوراً) أي فكل ما ينشأ عنك فهو من آثار السحر الذي بك ، خيال لا حقيقة له ، وأنت في الحقيقة مسحور ، ولوجود السحر عنك ساحر ، قال أبو عبيد : كما يقال : ميمون ـ بمعنى يأمن. وكأنه موه على جنوده لما أراهم آية اليد بهذه الشبهة ، وهذا كما قالت قريش (إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَسْحُوراً) وقالوا في موضع آخر : ساحر ، فإنهم ربما أطلقوا اسم المفعول مريدين اسم الفاعل
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
