(وَقالُوا) إنكارا لقدرتنا (إِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً) ممزقين في الأرض ؛ ثم كرروا الإنكار كأنهم على ثقة من أمرهم هذا الذي بطلانه أوضح من الشمس بقولهم : (أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) أي ثابت بعثنا (خَلْقاً جَدِيداً) فنحن نريهم جزاء على هذا الإنكار المكرر الخلق الجديد في جلودهم مكررا كل لحظة (كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ) [النساء : ٥٦] ثم أتبعه بقاطع في بيان جهلهم فقال منبها على أنهم أولى بالإنكار عاطفا على ما تقديره : ألم يروا أن الله الذي ابتدأ خلقهم قادر على أن يعيدهم (أَوَلَمْ يَرَوْا) أي يعلموا بعيون بصائرهم علما هو كالرؤية بعيون أبصارهم لما قام عليه من الدلائل ، ونادى بصحته من الشواهد الجلائل (أَنَّ اللهَ) أي الملك الأعلى المحيط بكل شيء قدرة وعلما لا غيره (الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ) جمعها لما دل على ذلك من الحسن ، ولما لم يكن للأرض مثل ذلك أفردها مريدا الجنس الصالح للجمع فقال تعالى : (وَالْأَرْضَ) على كبر أجرامها ، وعظم أحكامها ، وشدة أجزائها ، وسعة أرجائها ، وكثرة ما فيها من المرافق والمعاون التي يمزقها ويفنيها ثم يجددها ويحييها (قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ) أي يجدد في أي وقت أراد (مِثْلَهُمْ) بدءا فكيف بالإعادة وهم أضعف أمرا وأحقر شأنا (وَ) أنه (جَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً) لعذابهم أو موتهم أو بعثهم لأنه معلوم في نفسه (لا رَيْبَ فِيهِ) بوجه من الوجوه لما تكرر لهم من مشاهدة أنه لا تؤخر نفس إذا جاء أجلها ، وكذا لا تقدم على أجلها ، فكم ممن اجتهد الضراغمة الأبطال وفحول الرجال في ضره أو قتله ؛ وهم قاطعون أنه في قبضتهم فلم يقدروا على ذلك ، ثم كان ذلك بأضعف الناس أو بأوهى سبب فعلم بذلك أنه المنفرد بالقدرة على الإيجاد والإعدام (فَأَبَى) أي بلى قد علموا ذلك علما كالمحسوس المرئي فتسبب عن ذلك السبب للإيمان أن أبوا ـ هكذا كان الأصل فأظهر تعميما وتعليقا بالوصف فقال : (الظَّالِمُونَ) أي أبي هؤلاء المتعنتون لظلمهم (إِلَّا كُفُوراً) أي جحودا لعدم الشركة.
ولما قدم في هذه السورة أنه هو المعطي وأن عطاءه الجم ـ الذي فات الحصر ، وفضل عن الحاجة ، وقامت به الحجة على العباد في تمام قدرته وكمال علمه ـ غير محظور عن أحد ، وأنهم يقتلون أولادهم مع ذلك خشية الإملاق ، وهم يطلبون أن يظهر لهم من جنس ما خلق من الينابيع والجنات والذهب والزخرف على كيفيات مخصوصة لغير حاجة ما تقدم ذكره ، وقد امتنعوا بخلا وأنفة وجهلا عن الاعتراف له بما أوجبه عليهم شكرا لنعمته ، واستدفاعا لنقمته ، بعد قيام الدلائل وزوال الشبه فلا أبخل منهم لأنهم بخلوا مما يجب عليهم من الكلام كما قال النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلم : «أبخل الناس من بخل بالسلام». أمره أن ينبههم على سفههم في ذلك بقوله تعالى : (قُلْ لَوْ).
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
