وبين حقارة معبوداتهم وسفولها بقوله : (مِنْ دُونِهِ) أي الله الذي قام برهان التمانع ـ الذي هو البرهان الأعظم ـ على إلهية وعلى اختصاصة بذلك (إِلَّا أَسْماءً) وبين ما يريد وأوضحه بقوله : (سَمَّيْتُمُوها) أي ذوات أوجدتم لها أسماء (أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ) لا معاني لها ، لأنه لا أرواح لها فضلا عن أن تتحقق بمعنى ما سميتموها به من الإلهية ، وإن كان لها أرواح فهي منتف عنها خاصة الإلهية ، وهي الكمال المطلق الذي يستلزم إحاطة العلم والقدرة.
ولما كان مقصود السورة وصف الكتاب بالإبانة للهدى ، وكان نفي الإنزال كافيا في الإبانة ، لأن عبادة الأصنام باطلة ، ولم يكن في السياق كالأعراف مجادلة توجب مماحكة ومماطلة ومعالجة ومطاولة ، قال نافيا للإنزال بأي وصف كان : (ما أَنْزَلَ اللهُ) أي المحيط علما وقدرة. فلا أمر لأحد معه (بِها) وأعرق في النفي فقال : (مِنْ سُلْطانٍ) أي برهان تتسلط به على تعظيمها ، فانتفى تعظيمها لذاتها أو لغيرها ، وصار حاصل الدليل : لو كانوا أحياء يحكمون لم يصلحوا للإلهية ، لإمكان تمانعهم المؤدي إلى إمكان عجز كل منهم الملزوم لأنهم لا صلاحية فيهم للإلهية ، لكنهم ليسوا أحياء ، فهم أجدر بعدم الصلاحية ، فعلم قطعا أنه لا حكم لمقهور ، وأن كل من يمكن أن يكون له ثان مقهور ؛ فأنتج هذا قطعا أن الحكم إنما هو لله الواحد القهار ، وهو لم يحكم بتعظيمها ؛ وذلك معنى قوله : (إِنِ) أي ما (الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) أي المختص بصفات الكمال ؛ والحكم : فصل الأمر بما تدعو إليه الحكمة.
ولما انتقى الحكم عن غيره ، وكان ذلك كافيا في وجوب توحيده ، رغبة فيما عنده ، ورهبة مما بيده ، أتبعه تأكيدا لذلك وإلزاما به أنه حكم به ، فقال : (أَمَرَ أَلَّا) نعبدوا أي أيها الخلق في وقت من الأوقات على حال من الأحوال (إِلَّا إِيَّاهُ) أي وهو النافذ الأمر المطاع الحكم.
ولما قام هذا الدليل على هذا الوجه البين ، كان جديرا بالإشارة إلى فضله ، فأشار إليه بأداة البعد ، تنبيها على علو مقامه وعظيم شأنه فقال : (ذلِكَ) أي الشأن الأعظم ، وهو توحيده وإفراده عن خلقه (الدِّينُ الْقَيِّمُ) أي الذي لا عوج فيه فيأتيه الخلل من جهة عوجه ، الظاهر أمره لمن كان له قلب (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ) أي لما لهم الاضطراب مع الحظوظ (لا يَعْلَمُونَ) أي ليس لهم علم ، لأنهم لا ينتفعون بعقولهم ، فكأنهم في عداد البهائم العجم ، فلأجل ذلك هم لا يفردون الله بالعبادة.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
