هِيَ أَحْسَنُ) لأكون معهم لأني مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ؛ ثم علل ذلك بقوله تعالى : (إِنَّ الشَّيْطانَ) أي البعيد من الرحمة ، المحترق باللعنة (يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ) أي يفسد ويغري ويوسوس ، وأصل النزغ الطعن ، وهم غير معصومين ، فيوشك أن يأتوا بما لا يناسب الحال أو الوقت بأن يذكروا مساوىء غيرهم أو محاسن أنفسهم فيوقع في شر ؛ ثم علل هذه العلة بقوله تعالى : (إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ) أي في قديم الزمان وأصل الطبع كونا هو مجبول عليه (لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا) أي بليغ العداوة (مُبِيناً) ثم فسر «التي هي أحسن» مما علمهم ربهم من النصفة بقوله تعالى : (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ) ثم استأنف فقال تعالى : (إِنْ يَشَأْ) رحمتكم (يَرْحَمْكُمْ) بأن ييسر لكم أفعال الخير (أَوْ إِنْ يَشَأْ) عذابكم (يُعَذِّبْكُمْ) بأن ييسركم لأفعال الشر ، فإذا قالوا لهم ذلك كانوا جديرين بأن يعرضوا ـ أو من أراد الله منهم ـ أفعالهم على ما يعلمونه من الخير والشر فينظروا أيهما أقرب إليها ، وربما ردهم ذلك من أنفسهم عن الفساد ، لحسم مادة العناد ، ويجوز ـ وهو ـ عندي أحسن ـ أن تكون الآية استئنافا واقعا موقع التعليل للأمر بقول الأحسن ، أي (رَبُّكُمْ) أيها العباد (أَعْلَمُ بِكُمْ) وبما يؤول أمركم إليه من سعادة وشقاوة (إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ) بهدايتكم (أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ) بإضلالكم ، فلا تحتقروا أيها المؤمنون المشركين فتقطعوا بأنهم من أهل النار فتعيروهم بذلك ، فإنه يجر إلى الإحن وحر الصدور وغيظ القلوب بلا فائدة ، لأن الخاتمة مجهولة ، ولا تتجاوزوا فيهم ما آمركم به من قول وفعل فإنه الأحسن ؛ ثم رقى الخطاب إلى أعلى الخلق ورأس أهل الشرع ليكون من دونه أولى بالمعنيّ منه فقال تعالى : (وَما) أي فما أرسلناك إلا للدعاء بمثل ذلك على حسب ما نأمرك به ، وما (أَرْسَلْناكَ) أي مع ما لنا من العظمة الغنية عن كل شيء (عَلَيْهِمْ وَكِيلاً) أي حفيظا وكفيلا لغيرهم على ما يرضي الله ، وإنما أرسلناك بشيرا ونذيرا فدارهم وأمر أصحابك بمداراتهم.
ولما أمرهم بأن ينسبوا الأعلمية بهم إليه سبحانه ، أخبر بما هو أعم من ذلك فقال تعالى عاطفا على (رَبُّكُمْ) إعلاما بأن علمه ليس مقصورا عليهم ، بل هو محيط ، قاصرا الخطاب على أعلم الخلق به سبحانه إشارة إلى أنه لا يعلم هذا حق علمه غيره : (وَرَبُّكَ) أي المحسن إليك بأن جعلك أكمل الخلق (أَعْلَمُ) أي من كل عالم (بِمَنْ فِي السَّماواتِ) أي كلها (وَالْأَرْضِ) منهم ومن غيرهم ، بأحوالهم ومقاديرهم وآجالهم وما يستأهل كل واحد منهم ، لأنه هو الذي خلقهم وفاوت بينهم في أخلاقهم وهيئاتهم فكيف يستبعدون أن يكون يتيم أبي طالب ـ على ما كانوا يقولون ـ نبيا ، وأن يكون أصحابه العراة الجياع أفضل منهم.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
