الدنيا والآخرة وإن تراءى لكم أن غيره خير (وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) أي عاقبة في الدارين ، وهو تفعيل من الأول وهو الرجوع ، وأفعل التفضيل هنا لاستعمال النصفة لإرخاء العنان ، أي على تقدير أن يكون في كل منهما خير ، فهذا الذي ذكرناه أزيد خيرا والعاقل لا ينبغي أن يرضى لنفسه بالدون.
ولما كان ذلك مما تشهد القلوب بحسنه ، وأضداده مما تتحقق النفوس قبحه ، لأن الله تعالى جبل الإنسان على ذلك كما قال صلّى الله عليه وعلى آله وسلم : «البر ما سكن إليه القلب واطمأنت إليه النفس ، والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر وإن أفتاك المفتون وأفتوك» (١) وقال : «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى : إذا لم تستحي فاصنع ما شئت» (٢) وكان قد جمع الضمائر سبحانه ، تلاه سبحانه بما يعمه وغيره فقال تعالى مفردا الضمير ليصوب النهي إلى كل من الجمع والإفراد في حالتي الاجتماع والانفراد على حد سواء : (وَلا) أي افعلوا ما أمرتم به من ذلك ، وانتهوا عما نهيتم عنه منه ، لما تقرر في الجبلات من العلم الضروري بخيريته وحسنه ، ولا (تَقْفُ) أي تتبع أيها الإنسان مجتهدا بتتبع الآثار (ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) من ذلك وغيره ، كل شيء بحسبه ، لا سيما البهت والقذف ، فما كان المطلوب فيه القطع لم يقنع فيه بدونه ، وما اكتفى فيه بالظن وقف عنده ؛ ثم علل ذلك مخوفا بقوله : (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ) وهما طريقا الإدراك (وَالْفُؤادَ) الذي هو آلة الإدراك ؛ ثم هوّل الأمر بقوله تعالى : (كُلُّ أُولئِكَ) أي هذه الأشياء العظيمة ، العالية المنافع ، البديعة التكوين ، وأولاء وجميع أسماء الإشارة يشار بها للعاقل وغيره كقوله :
|
ذم المنازل بعد منزلة اللوى |
|
والعيش بعد أولئك الأيام |
(كانَ) أي بوعد لا خلف فيه (عَنْهُ) أي وحده (مَسْؤُلاً) بسؤال يخصه ، هل استعمله صاحبه في طلب العلم مجتهدا في ذلك ، ليعمل عند الوقوف على الحقائق بما يرضي الله ، ويجتنب ما يسخطه أو لا؟ وأول حديث النفس السابح ثم الخاطر ثم الإرادة والعزيمة ، فيؤاخذ بالإرادة والعزيمة لدخولهما تحت الاختيار فيتعلق بهما التكليف ، ولعدم دخول الأولين خفف عنا بعدم المؤاخذة بهما ، كما قال صلّى الله عليه
__________________
(١) أخرجه أحمد ٤ / ١٩٤ والطبراني في الكبير ٢٢ / ٢١٩ وأبو نعيم في الحلية ٢ / ٣٠ عن أبي ثعلبة الخشني. وفي الباب عن النواس بن سمعان عند مسلم ٢٥٥٣ وأحمد ٤ / ١٨٢ والترمذي ٢٣٨٩ والبخاري في الأدب المفرد ٢٩٥ والبغوي وغيرهم. وعن وابصة بن معبد عند أحمد ٤ / ٢٢٧ والطبراني ٢٢ / ١٤٧.
(٢) أخرجه البخاري ٣٤٨٣ وأحمد ٤ / ١٢١ من حديث أبي مسعود.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
