(مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ) : خباز الملك وساقيه ، رفع إليه أن الخباز أراد أن يسمه ، وظن أن الساقي مالأه على ذلك ، و «مع» تدل على الصحبة واستحداثها ، فهي تدل على دخول الثلاثة السجن في آن واحد ـ قاله أبو حيان. فلما دخلوا السجن كان يوسف عليه الصلاة والسّلام يحسن إلى أهله فيسلي حزينهم ، ويعود مريضهم ، ويسأل لفقيرهم ، ويهديهم إلى الخير ، ويذكرهم بالله ، فمالت إليه القلوب وكلفت به النفوس لحسن حديثه ولطيف تأتيه وما جباه الله به من الفضل والنبل وحسن الخلق والخلق ، وكان في السجن ناس قد انقطع رجاءهم واشتد بلاءهم ، فلم يزل يرفق بهم حتى قالوا : بارك الله فيك! ما أحسن وجهك وأحسن خلقك وأحسن حديثك! لقد بورك لنا في جوارك ، ما نحب أنا كنا في غير هذا لما تخبرنا به من الأجر والكفارة والثواب والطهارة ، من أنت يا فتى؟ فأخبرهم بنسبه الشريف ، فقال عامل السجن : لو استطعت لخليت سبيلك! ولكن سأحسن جوارك وإيثارك ، وأحبه الفتيان ولزماه فقال : أنشد كما الله أن تحباني ، فوالله ما أحبني أحد قط إلّا دخل على من جهته بلاء! لقد أحبتني عمتي فدخل عليّ من جهتها بلاء ، ثم أحبني أبي فدخل عليّ من جهته بلاء ، ثم أحبتني زوجة صاحبي هذا فدخل عليّ من جهتها بلاء ، فلا تحباني ، فأبيا إلّا حبه ، فكأنه قيل : أيّ شيء اتفق لهما بعد الدخول معه؟ فقيل : (قالَ أَحَدُهُما) ليوسف عليه الصلاة والسّلام ، ولعل التأكيد إما لأنه كانت عادتهما المزح ، وإما لأنهما ما رأيا شيئا ـ كما قال الشعبي ـ وإنما صنفا هذا ليختبراه به (إِنِّي أَرانِي) حكى الحال الماضية في المنام (أَعْصِرُ) والعصر : الاعتماد على ما فيه مائية ليحتلب منه (خَمْراً) أي عنبا يؤل إلى الخمر (وَقالَ الْآخَرُ) مؤكدا لمثل ما مضى (إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ) والحمل : رفع الشيء بعماد نقله (فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً) أي طعاما مهيأ للأكل بالخبز ، وهو عمل الدقيق المعجون بالبسط واللزق في حام بالنار حتى يصلح للأكل (تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ) وسيأتي شرح الرؤيا من التوراة ، فكأنه قيل : فماذا تريدان من الإخبار بهذا؟ فقالا : (نَبِّئْنا) أي أخبرنا إخبارا عظيما (بِتَأْوِيلِهِ) أي ما يرجع أمره ويصير إليه ، فكأنه قيل : وما يدريكما أني أعرف تأويله؟ فقالا : (إِنَّا نَراكَ) على حال علمنا بها علما هو كالرؤية أنك (مِنَ الْمُحْسِنِينَ) أي العريقين في وصف الإحسان لكل أمر تعانيه ، فلذلك لاح لنا أنك تحسن التأويل قياسا ، فلما رآهما بصيرين بالأمور (قالَ) إشارة إلى أنه يعرف ذلك وأدق منه ، ليقبلا نصحه فيما هو أهم المهم لكل أحد ، ـ وهو ما خلق العباد له من الاجتماع على الله ـ لتفريغهما للفهم لكلامه والقبول لكل ما يلقيه لاحتياجهما إلى إفتائهما ، مؤكدا ما وصفاه به من الإحسان بما اتبعه من وصف نفسه بالعلم ، انتهازا لفرصة النصيحة عند هذا الإذعان بأعظم ما يكون النصح به
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
