استعار لتعطفه عليهما رعيا لحقوقهما قوله تعالى : (جَناحَ الذُّلِ) أي جناح ذلّك ، وبين المراد بقوله تعالى : (مِنَ الرَّحْمَةِ) أي لا من أجل امتثال الأمر وخوف العار فقط ، بل من أجل الرحمة لهما ، بأن لا تزال تذكر نفسك بالأوامر والنواهي وما تقدم لهما من الإحسان إليك ، فصارا مفتقرين إليك وقد كنت أفقر خلق الله إليهما ، حتى يصير ذلك خلقا لازما لك فإن النفس لأمارة بالسوء ، وإن لم تقد إلى الخير بأنواع الإرغاب والإرهاب والإمعان في النظر في حقائق الأمور وعجائب المقدور ، ولذلك أتبعه قوله تعالى آمرا بأن لا يكتفي برحمته التي لا بقاء لها ، فإن ذلك لا يكافىء حقهما بل يطلب لهما الرحمة الباقية : (وَقُلْ رَبِ) أي أيها المحسن إليّ بعطفهما عليّ حتى ربياني وكانا يقدماني على أنفسهما (ارْحَمْهُما) بكرمك برحمتك الباقية وجودك كما رحمتهما أنا برحمتي القاصرة مع بخلي وما فيّ من طبع اللوم (كَما رَبَّيانِي) برحمتهما لي (صَغِيراً) وهذا مخصوص بالمسلمين بآية (ما كانَ لِلنَّبِيِ) لا منسوخ ، ولقد أبلغ سبحانه في الإيصاء بهما حيث بدأه بأن شفع الإحسان إليهما بتوحيده ونظمه في سلكه ، وختمه بالتضرع في نجاتهما ، جزاء على فعلهما وشكرا لهما ، وضيق الأمر في مراعاتهما حتى لم يرخص في أدنى شيء من امتهانهما ، مع موجبات الضجر ومع أحوال لا يكاد يدخل الصبر إليها في حد الاستطاعة إلا بتدريب كبير.
ولما كان ذلك عسرا جدا حذر من التهاون به بقوله تعالى : (رَبُّكُمْ) أي المحسن إليكم في الحقيقة ، فإنه هو الذي عطف عليكم من يربيكم وهو الذي أعانهم على ذلك (أَعْلَمُ) أي منكم (بِما فِي نُفُوسِكُمْ) من قصد البر بهما وغيره ، فلا يظهر أحدكم غير ما يبطن ، فإن ذلك لا ينفعه ولا ينجيه إلا أن يحمل نفسه على ما يكون سببا لرحمتهما (إِنْ تَكُونُوا) أي كونا هو جبلة لكم (صالِحِينَ) أي متقين أو محسنين في نفس الأمر ؛ والصلاح : استقامة الفعل على ما يدعو إليه الدليل ، وأشار إلى أنه لا يكون ذلك إلا بمعالجة النفس وترجيعها كرة بعد فرة بقوله تعالى : (فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ) أي الرجاعين إلى الخير مرة إثر مرة بعد جماح أنفسهم عنه (غَفُوراً) أي بالغ الستر ، تنبيها لمن وقع منه تقصير ، فرجع عنه على أنه مغفور.
(وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً (٢٧) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً (٢٨) وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً (٢٩))
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
