يكون لم يسمع قط بدين ولا دعوة نبي ولا عرف أن في العالم من يثبت إلها ـ وما نرى أن ذلك يكون ـ فإن كان فأمره على الاختلاف ـ يعني عند من يوجب الإيمان بمجرد العقل ومن لا يوجبه إلا بانضمام النقل. وما قاله الحليمي نقل نحوه عن الإمام الشافعي نفسه رضي الله عنه ؛ قال الزركشي في آخر باب الديات من شرحه على المنهاج : وقد أشار الشافعي إلى عسر قصور ـ أي عدم بلوغ ـ الدعوة حيث قال : وما أظن أحدا إلا بلغته الدعوة إلا أن يكون قوم من وراء النهر بكوننا ، وقال الدميري : وقال الشافعي : ولم يبق من لم تبلغه الدعوة.
ولما أشار إلى عذاب المخالفين ، قرر أسبابه وعرف أنها بقدره ، وأن قدره لا يمنع حقوق العذاب ، لبناء الأمر على ما يتعارفه ذوو العقول بينهم فقال تعالى : (وَإِذا) أي فنبعث الرسل بأوامرنا ونواهينا ، وإذا أردنا أن نحيي قرية الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة ، ألقينا في قلوب أهلها امتثال أوامرنا والتقيد باتباع رسلنا ، وإذا (أَرَدْنا) وإرادتنا لا تكون إلا عظيمة جدا (أَنْ نُهْلِكَ) أي بعظمتنا (قَرْيَةً) في الزمن المستقبل (أَمَرْنا) أي بما لنا من العظمة التي لا يقدر أحد على مخالفتها (مُتْرَفِيها) الذين لهم الأمر والنهي بالفسق ، أي استدرجناهم بإدرار النعم ودفع النقم على ما يعملون من المعاصي ، الذي كان ـ بكونه سببا لبطرهم ومخالفتهم ـ كالأمر بالفسق (فَفَسَقُوا فِيها) بعد ما أزال الرسول معاذيرهم بتبليغ الرسالة كما قال تعالى (فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ) ـ أي على ألسنة الرسل ـ (فَتَحْنا) عليهما (أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ) [الأنعام : ٤٤] الآية (وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها) [الأنعام : ١٢٣] وخص المترفين لأن غيرهم لهم تبع ، ولأنهم أحق الناس بالشكر وأولى بالانتقام عند الكفر ، ويجوز أن يكون : أمرناهم بأوامرنا ففسقوا فيها ، أي الأوامر بالطاعات التي يعلم قطعا أن أوامرنا تكون بها ولا تكون بغيرها ، لأنا لا نأمر بالفحشاء ، وقد جرت العادة بأن المترف عسر الانقياد ، لا تكاد تسمح نفسه بأن يصير تابعا بعد ما كان متبوعا ، فعصوا فتبعهم غيرهم لأن الأصاغر تبع للأكابر فأطبقوا على المعصية فأهلكناهم ، وقرأ يعقوب : آمرنا ـ بمد الهمزة بمعنى كثرنا ، من آمرت الشيء وأمرته فأمر ـ إذا كثرته ، وفي الحديث «خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة» (١) أي كثيرة النتاج ؛ وروى البخاري في التفسير عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : كنا نقول للحي إذا كثروا في الجاهلية : آمر بنو فلان (٢). والكثرة راجعة إلى
__________________
(١) أخرجه أحمد ٣ / ٤٦٨ عن سويد بن هبيرة مرفوعا وقال الهيثمي في المجمع ٩٣٢٠ : رجال أحمد ثقات.
(٢) أخرجه البخاري ٤٧١١ موقوفا على ابن مسعود رضي الله عنه.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
