البيت عامرا من عمارة العزير عليهالسلام أربعمائة سنة وعشرين سنة ، ولم يدخل بعد هذا الخراب في أيدي اليهود ، وكان هذا لثلاثمائة سنة وثمانين سنة من ولاية الإسكندر ، وقال مؤرخهم في شرح هذا الخراب : إن طيطوس كان في قيسارية ، فسار منها حتى انتهى إلى يالو فأخذ من نقاوة عسكره ستمائة رجل ، وسار إلى بيت المقدس ليقف على أحوال المدينة ، وينظر الحصن ، ويعلم ما يحتاج إلى علمه ، ويدبر الأمور بحسب ذلك ، وعمل على أن يراسل أهل بيت المقدس بالجميل ويدعوهم إلى المسالمة ويبذل لهم الأمان ، فلما قرب من المدينة وجد الأبواب مغلقة ، وليس يخرج من المدينة ولا يدخل إليها أحد لما بين الخوارج من الحروب المتصلة ، فما وجد من خاطبه من القوم ، فانصرف راجعا إلى عسكره.
قال : وكان قوم من أصحاب الخوارج لما علموا بمجيء طيطوس قد خرجوا من المدينة ، فكمنوا له في بعض الطريق ، فلما اجتاز بهم وهو راجع أحاطوا به وحالوا بينه وبين أصحابه ، فقاتلهم قتالا شديدا حتى خلص بعد أن أشرف على الهلاك ، فعلم ما القوم عليه من النجدة والشر فأعد لذلك عدته لما أراد الله من خراب القدس ، وكان الله سبحانه وتعالى ملكه وعز سلطانه قد أظهر لبني إسرائيل أموارا دلتهم على زوال أمرهم لو أنهم تبصروا ، منها شبه كوكب كبير له نور قوي وضوء شديد كان القدس يضيء منه البلد كله طول الليل قريبا من ضوء النهار ، فأقام كذلك سبعة أيام مدة عيد الفصح ، ففرح به الجهال واغتم العلماء ، ومنها أنهم أحضروا في هذا العيد بقرة ليقربوها ، فولدت خروفا فاستنكر الناس ذلك ، ومنها أن باب القدس الشرقي كان عظيما ثقيلا لا يعالجه إلا جماعة ، فلما كان في تلك الأيام كانوا يجدونه كل يوم مفتوحا من غير فاتح ، فيجتمع الرجال المعتادون له فيغلقونه ثم يعودون إليه فيجدونه مفتوحا ، فكان الجهال يفرحون والعلماء يغتمون ، ومنها أنه ظهر على بيت قدس الأقداس في الهواء صورة وجه الإنسان شديد الحسن عظيم البهاء والنور ، ومنها أنه ظهر أيضا في الجو صور ركبان من نار يطيرون في الهواء قريبا من الأرض على بيت المقدس وعلى جميع أرض اليهود ، ومنها أنه سمع الكهنة في ليلة عيد العنصرة في القدس حس جماعة كثيرة يذهبون ويجيئون في الهيكل من غير أن يروهم بل كانوا يسمعون وطأهم فقط ، ثم سمعوا صوتا عظيما يقول : امضوا بنا حتى نرتحل عن هذا البيت ، ومنها أنه كان قد ظهر قبل هذا بأربع سنين في المدينة رجل يمشي كالمجنون ويصيح بأعلى صوت يقول : صوت من المشرق ، صوت من المغرب ، صوت من أربع جهات الدنيا ، صوت على أورشلام ، وصوت على الهيكل ، وصوت على الحصن ، وصوت على الفروس ، وصوت على جميع الناس ، الويل على أورشلام ، الويل على أورشلام ، وكان لا يهدأ من هذا الكلام ،
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
