كان مظنة لميله ، لتوفر الدواعي على الميل إليه ، فقال تعالى : (وَقالَ نِسْوَةٌ) أي جماعة من النساء لما شاع الحديث ؛ ولما كانت البلدة كلما عظمت كان أهلها أعقل وأقرب إلى الحكمة ، قال : (فِي الْمَدِينَةِ) أي التي فيها امرأة العزيز ساكنة (امْرَأَتُ الْعَزِيزِ) فأضفنها إلى زوجها إرادة الإشاعة للخبر ، لأن النفس إلى سماع أخبار أولى الأخطار أميل ؛ والعزيز : المنيع بقدرته من أن يضام ، فالعزة أخص من مطلق القدرة ، وعبرن بالمضارع في (تُراوِدُ فَتاها) أي عبدها نازلة من افتراش العزيز إلى افتراشه (عَنْ نَفْسِهِ) إفهاما لأن الإصرار على المراودة صار لها كالسجية ؛ والفتى : الشاب ، وقيده الرماني بالقوي ، قال : وقال الزجاج : وكانوا يسمون المملوك فتى شيخا كان أو شابا ، ففيه اشتراك على هذا (قَدْ شَغَفَها) ذلك الفتى (حُبًّا) أي من جهة الحب ، قال الرماني : شغاف القلب : غلافه ، وهو جلدة عليه ، يقال : دخل الحب الجلد حتى أصاب القلب ، عن السدى وأبي عبيدة وعن الحسن أنه باطن القلب ؛ وعن أبي علي : وسط القلب ـ انتهى. والذي قال في المجمل وغيره أنه غلاف القلب ، وأحسن من توجيه أبي عبيدة له أن حبه صار شغافا لها ، أي حجابا ، أي ظرفا محيطا بها ، وأما «شعفها» ـ بالمهملة فمعناه : غشى شعفة قلبها ، وهي رأسه عند معلق النياط ، وقال الرماني : أي ذهب بها كل مذهب ، من شعف الجبال ، وهي رؤوسها.
ولما قيل ذلك ، كان كأنه قد قيل : فكان ماذا؟ فقيل ـ وأكد لأن من رآه عذرها وقطع بأنهن لو كن في محلها عملن عملها ولم يضللن فعلها : (إِنَّا لَنَراها) أي نعلم أمرها علما هو كالرؤية (فِي ضَلالٍ) أي محيط بها (مُبِينٍ) لرضاها لنفسها بعد عز السيادة بالسفول عن رتبة العبد ، ودل بالفاء على أن كلامهن نقل إليها بسرعة فقال : (فَلَمَّا سَمِعَتْ) أي امرأة العزيز (بِمَكْرِهِنَ) وكأنهن أردن بهذا الكلام أن يتأثر عنه ما فعلت امرأة العزيز ليرينه ، فلذلك سماه مكرا (أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَ) لتريهن ما يعذرنها بسببه فتسكن قالتهن (وَأَعْتَدَتْ) أي هيأت وأحضرت (لَهُنَّ مُتَّكَأً) أي ما يتكئن عليه من الفرش اللينة والوسائد الفاخرة ، فأتينها فأجلستهن على ما أعدته لهن (وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ) على العموم (مِنْهُنَّ سِكِّيناً) ليقطعن بها ما يحتاج إلى القطع مما يحضر من الأطعمة في هذا المجلس ؛ قال أبو حيان : فقيل : كان لحما ، وكانوا لا ينهشون اللحم ، إنما كانوا يأكلونه حزا بالسكاكين. وقال الرماني : ليقطعن فاكهة قدمت إليهن ـ انتهى. هذا الظاهر من علة إتيانهن وباطنه إقامة الحجة عليهن بما لا يجدن له مدفعا مما يتأثر عن ذلك (وَقالَتِ) ليوسف فتاها عليه الصلاة والسّلام (اخْرُجْ عَلَيْهِنَ) فامتثل له ما أمرته به كما هو دأبه معها في كل ما لا معصية فيه ، وبادر الخروج عليهن (فَلَمَّا رَأَيْنَهُ)
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
