وأحسن يوم الفتح بأن نهى عن قتالهم وأعتقهم بعد أن صاروا في قبضته ـ صلّى الله عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم دائما أبدا.
ولما كان ـ بعد توطين النفس على الصبر وتفريغ القلب من الأحنة ـ يرجع إلى الأسف على إهلاكهم أنفسهم بتماديهم على العتو على الله تعالى ، قال سبحانه : (وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) أي في شدة كفرهم فتبالغ في الحرص الباخع للنفس.
ولما كان سبحانه في مقام التبشير ، بالمحل الكبير والموطن الخطير ، الذي ما حازه قبل نبينا صلّى الله عليه وعلى آله وسلم بشير ولا نذير ، وذلك هو الإسراء إلى الملكوت الأعلى ، والمقام الأسمى من السماوات العلى ، في حضرات القدس ، ومحال الأنس ، ووطأ لذلك في سورة النعم بمقامات الكرم إلى أن قارب الوصول إليه ، أوجز في العبارة بحذف حرف مستغنى عنه دلالة عليه فقال : (وَلا تَكُ) بحذف النون إشارة إلى ضيق الحالة عن أدنى إطالة :
|
وأبرح ما يكون الشوق يوما |
|
إذا دنت الديار من الديار |
وهذا بخلاف ما يأتي في سورة النمل إن شاء الله تعالى (فِي ضَيْقٍ) ولو قل ـ كما لوح إليه تنوين التحقير بما يشير إليه حذف النون ، فإن أذى الكفار الذي السياق للتسلية عنه لا يضرك في المقصود الذي بعثت لأجله ، وهو إظهار الدين وقمع المفسدين بوجه من الوجوه (مِمَّا يَمْكُرُونَ) أي من استمرار مكرهم بك (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) وكأنك به ، وقد أتى فاصبر فإن الله تعالى معزك ومظهر دينك وإن كرهوا ؛ ثم علل ذلك بقوله تعالى : (إِنَّ اللهَ) أي الجامع لصفات الكمال بلطفه وعونه (مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا) أي وجد منهم الخوف من الله تعالى ، فكانوا في أول منازل التقوى ، وهو مع المتقين الذين كانوا في النهاية منها ، فعدلوا في أفعالهم من التوحيد وغيره عملا بأمر الله في الكتاب الذي هو تبيان لكل شيء ، وهو مع الذين أحسنوا وكانوا في أول درجات الإحسان (وَالَّذِينَ هُمْ) أي بضمائرهم وظواهرهم (مُحْسِنُونَ) أي صار الإحسان صفة لهم غير منفكة عنهم ، فهم في حضرات الرحمن ، وأنت رأس المتقين المحسنين ، فالله معك ، ومن كان الله معه كان غالبا ، وصفقته رابحة ، وحالته صالحة ، وأمره عال ، وضده في أسوإ الأحوال ، فلا تستعجلوا قلقا كما استعجل الكفار استهزاء ، تخلقا في التأني والحلم بصفة من تنزه عن نقص الاستعجال ، وتعالى عن ادعاء الأكفاء والأمثال ، فقد عانق آخرها أولها ، ووافق مقطعها مطلعها ، وآخرها احتباك : ذكر (الَّذِينَ اتَّقَوْا) أولا دليلا على حذف (الَّذِينَ أَحْسَنُوا) ثانيا ، و (الْمُحْسِنِينَ) ثانيا دليلا على حذف المتقين أولا ـ والله الموفق للصواب ، وإليه المرجع والمآب.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
