ولما دعاهم إلى مكارم الأخلاق ونهاهم عن مساوئها بقبوله لمن أقبل إليه وإن عظم جرمه ، إجابة لدعوة أبيهم إبراهيم عليهالسلام في قوله (فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [إبراهيم : ٣٦] أتبع ذلك ذكره ترغيبا في اتباعه في التوحيد والميل مع الأمر والنهي إقداما وإحجاما إن كانوا ممن يتبع الحق أو يقلد الآباء ، فقال على سبيل التعليل لما قبله : (إِنَّ إِبْراهِيمَ) أي أباكم الأعظم إمام الموحدين (كانَ أُمَّةً) فيه من المنافع الدنيوية والأخروية ما يوجب أن يؤمه ويقصده كل أحد يمكن انتفاعه به (قانِتاً) أي مخلصا (لِلَّهِ) أي الملك الذي له الأمر كله ليس فيه شيء من الهوى (حَنِيفاً) ميالا مع الأمر والنهي بنسخ أو بغيره ، فكونوا حنفاء أتباعا للحق ، لما قام عليه من الأدلة ، واستنانا بأعظم آبائكم.
ولما كان السياق لإثبات الكمال لإبراهيم عليهالسلام ، وكانت الأوصاف الثبوتية قريبة المأخذ سريعة الوصول إلى الفهم ، وأتى بعدها وصف سلبي بجملة ، حذف نون (يكن) منها إيجازا وتقريبا للفهم تخفيفا عليه وحفظا له من أن يذهب قبل تمامها إلى غير المراد ، وإعلاما بأن الفعل منفي عنه عليهالسلام على أبلغ وجوه النفي لا ينسب إليه شيء منه ولو قل ، فقيل : (وَلَمْ يَكُ) ولما كانوا مشركين هم وكثير من أسلافهم ، قبح عليهم ذلك بأن أعظم من يعتقدون عظمته من آبائهم ليس من ذلك القبيل ، فقال تعالى : (مِنَ الْمُشْرِكِينَ) الواقفين مع الهوى ، فلا تكونوا منهم ؛ ثم بين حاله فقال : (شاكِراً) ولما كان لله على من جعله أمة من النعم ما لا يحصى ، بين أن ذلك كله قليل في جنب فضله ، فقال مشيرا إلى ذلك بجمع القلة وإلى أن الشاكر على القليل يشكر إذا أتاه الكثير من باب الأولى : (لِأَنْعُمِهِ) فهو لا يزال يزيده من فضله ، فتقبل دعاءه لكم فاشكروا الله اقتداء به ليزيدكم ، فكأنه قيل : فما أثابه على ذلك؟ أو علل ما قبل ، فقال تعالى : (اجْتَباهُ) أي اختاره اختيارا تاما (وَهَداهُ) أي بالبيان الأعظم والتوفيق الأكمل (إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) وهو الحنيفية السمحة ، فكان ممن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم ، وكان مخالفا للأبكم الموصوف في المثل السابق ؛ ثم قال : (وَآتَيْناهُ) أي بما لنا من العظمة (فِي الدُّنْيا) بلسان الصدق والثناء الجميل الذي ذللنا له ألسنة الخلق (حَسَنَةً) ونبه بالتعبير عن المعطي بنون العظمة على جلالته حيث جعله إماما معظما لجميع أهل الملل ، فجمع القلوب على محبته ، وجعل له فيهم لسان صدق ، ورزقه في أولاده من النبوة والصلاح والملك والكثرة ما هو مشهور.
ولما كانت عظمة الدنيا لا تعتبر إلا مقرونة بنعمة الآخرة ، قال تعالى : (وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ) وقال تعالى ـ : (لَمِنَ الصَّالِحِينَ) أي له ما لهم من الثواب العظيم ـ معبرا ب «من» تعظيما لمقام الصلاح وترغيبا فيه.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
