الأعمال الصالحة ، وحثا على الإخلاص فيها وتشمير الذيل عند قصدها ، لا سيما أفعال القلوب التي هي أغلب ما تقدم هنا ، فقال تعالى مخاطبا لأشرف خلقه ليفهم غيره من باب الأولى فيكون أبلغ في حثه وأدعى إلى اتباعه : (فَإِذا قَرَأْتَ) أي أردت أن تقرأ مثل (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا) [الأعراف : ٤](الْقُرْآنَ) الذي هو قوام العمل الصالح والداعي إليه والحاث عليه ، مع كونه تبيانا لكل شيء ، وهو اسم جنس يشمل القليل منه والكثير (فَاسْتَعِذْ) أي إن شئت جهرا وإن شئت سرا ؛ قال الإمام الشافعي : والإسرار أولى في الصلاة ، وفي قول : يجهر كما يفعل خارج الصلاة. (بِاللهِ) أي سل الذي له الكمال كله أن يعيذك (مِنَ الشَّيْطانِ) أي المحترق باللعنة (الرَّجِيمِ) أي المطرود عن الرحمة من أن يصدك بوساوسه عن اتباعه ، فإنه لا عائق عن الإذعان ، لأساليبه الحسان ، إلا خذلان الرحمن ، بوساوس الشيطان ، فقل : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، لأن ذلك أوفق للقرآن ، وقد ورد به بعض الأخبار عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه مرفوعا (١) وهو المشهور ونص عليه الإمام الشافعي رضي الله عنه ، والصارف لهذا الأمر عن الوجوب أحاديث كثيرة فيها القراءة بدون ذكر تعوذ كحديث البخاري وغيره عن أبي سعيد بن المعلى رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلم قال له : ما منعك أن تجيبني؟ قال : كنت أصلي ، قال : ألم يقل الله : (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ) [الأنفال : ٢٤] ثم قال : لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ)(٢) وفي رواية الموطأ أنه صلّى الله عليه وعلى آله وسلم نادى أبيا وأنه قال : كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة؟ قال أبي : فقرأت (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِ
__________________
(١) أخرجه أحمد ١ / ٤٠٤ وابن ماجة ٨٠٨ وابن خزيمة ٤٧٢ والبيهقي ٢ / ٣٦ عن ابن مسعود وفي إسناده مقال معروف عبد الرحمن السلمي قال في التقريب «مقبول» وعطاء بن السائب اختلط في آخره قال الهيثمي وقد سمع منه محمد بن فضيل بعد الاختلاط. وفي الباب عن أبي سعيد عند أحمد ٣ / ٥٠ أبو داود ٧٧٥ والترمذي ٢٤٢ والنسائي ٢ / ١٣٢ دون التعوذ ورجح أبو داود الإرسال ووهّم جعفر به قلت : وهو مرسل ليس بالقوي علي بن علي فيه كلام. وفي الباب عن جبير بن مطعم عند أحمد ٤ / ٨٠ ـ ٨١ وأبي داود ٧٦٤ وابن ماجة ٨٠٧ وابن خزيمة ٤٦٨ وابن حبان ١٧٧٩ والطبراني ١٥٦٩ والحاكم ١ / ٢٣٥ وفيه ضعف. وعن عائشة رضي الله عنها عند أحمد ٦ / ١٥٦ وإسناده ضعيف عكرمة بن عمار مضطرب في يحيى بن أبي كثير ، ويحيى مدلس وقد عنعنه. وانظر الكلام مطولا على طرق هذا الحديث في تلخيص الحبير لابن حجر ١ / ٢٣٠.
(٢) أخرجه البخاري (٤٤٧٤) وأحمد ٤ / ٢١١ و ٣ / ٤٥٠ وأبو داود ١٤٥٨ والنسائي ٢ / ١٣٩ وفي فضائل القرآن ٣٥ وابن ماجة ٣٧٨٥ وابن حبان ٧٧٧ والطيالسي ٢ / ٩ والطبراني ٢٢ / ٣٠٣ والبيهقي ٢ / ٣٦٨ كلهم عن أبي سعيد بن المعلى قيل اسمه رافع بن أوس وقيل الحارث وقيل ابن نفيع وقيل رافع بن المعلى بن لوذان بن حارثة واختلفوا في وفاته.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
