أرجو إحسانه في هذا (أَحْسَنَ مَثْوايَ) بأن جعل لي في قلب سيدك مكانة عظيمة حتى خولني في جميع ما يملك وائتمنني على كل ما لديه ، فإن خالفت أمر ربي فخنت من جعلني موضعا للأمانة كنت ظالما واضعا للشيء في غير موضعه ، وهذا التقدير ـ مع كونه أليق بالصالحين المراقبين ـ أحسن ، لأنه يستلزم نصح العزيز ، ولو أعدنا الضمير على العزيز لم يستلزم التقوى.
ولما كان من المعلوم أن لسان حالها يقول : وإذا كان ظلما كان ماذا؟ قال ما تقديره : إني إذن لا أفلح ، وعلله بقوله : (إِنَّهُ لا يُفْلِحُ) أي لا يظفر بمراده أصلا (الظَّالِمُونَ) أي العريقون في الظلم ـ وهو وضع الشيء في غير موضعه ـ الذين صرت في عدادهم على تقدير الفعل ، فيا له من دليل على إحسانه وحكمه وعلمه ، فإنه لما رأى المقام الدحض بادر إلى الاعتصام بمن بيده ملكوت كل شيء ، ثم استحضر إحسانه إليه الموجب للشكر عليه المباعد عن الهفوات ثم مقام الظلم وما يوجب لصاحبه من الحزن بعدم الفلاح.
ولما كان هذا الفعل لا يتم حسنه إلّا إذا كان عند غلبة الهوى وترامي الشهوة كما هو شأن الرجولية ، قال تعالى ردا على من يتوهم ضد ذلك : (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ) أي أوقعت الهم ، وهو القصد الثابت والعزم الصادق المتعلق بمواقعته ، ولا مانع لها من دين ولا عقل ولا عجز فاشتد طلبها (وَهَمَّ بِها) كما هو شأن الفحول عند توفر الأسباب (لَوْ لا أَنْ رَأى) أي بعين قلبه (بُرْهانَ رَبِّهِ) الذي آتاه إياه من الحكم والعلم ، أي لهمّ بها ، لكنه لما كان البرهان حاضرا لديه حضور من يراه بالعين ، لم يغطه وفور شهوة ولا غلبة هوى ، فلم يهم أصلا مع كونه في غاية الاستعداد لذلك لما آتاه الله من القوة مع كونه في سن الشباب ، فلو لا المراقبة لهمّ بها لتوفر الدواعي غير أن نور الشهود محاها أصلا ، وهذا التقدير هو اللائق بمثل مقامه مع أنه هو الذي تدل عليه أساليب هذه الآيات من جعله من المخلصين والمحسنين المصروف عنهم السوء ، وأن السجن أحب إليه من ذلك ، مع قيام القاطع على كذب ما تضمنه قولها (ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً) [يوسف : ٢٥] ـ الآية ، من مطلق الإرادة ، ومع ما تحتم تقدير ما ذكر بعد «لو لا» في خصوص هذا التركيب من أساليب كلام العرب ، فإنه يجب أن يكون المقدر بعد كل شرط من معنى ما دل عليه ما قبله ، وهذا مثل قوله تعالى (إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها) [القصص : ١٠] أي لأبدت به ، وأما ما ورد عن السلف مما يعارض ذلك فلم يصح منه شيء عن أحد منهم مع أن الأقوال التي رويت عنهم إذا جمعت تناقضت فتكاذبت ، ولا يساعد على شيء منها كلام العرب لأنهم قدروا جواب «لو لا»
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
