غيرها بما فصله لكم من أول السورة إلى هنا من خلق السماوات والأرض وما فيهما (وَما أَمْرُ السَّاعَةِ) وهي الوقت الذي يكون فيه البعث ، على اعتقادكم أنها لا تكون استبعادا لها واستصعابا لأمرها في سرعته عند الناس لو رأوه ، ولذا عبر عنه بالساعة (إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ) أي كرجع الطرف المنسوب إلى البصر أيّ بصر كان (أَوْ هُوَ أَقْرَبُ) وإذا الخلق قد قاموا من قبورهم مهطعين إلى الداعي ـ هذا بالنسبة إلى علمهم وقياسهم ، وأما بالنسبة إليه سبحانه فأمره في الجلالة والعظم والسرعة والإتقان يجل عن الوصف ، وتقصر عنه العقول ، ولا شك فيه ولا تردد ، ولذلك علله بقوله تعالى : (إِنَّ اللهَ) أي الملك الأعظم (عَلى كُلِّ شَيْءٍ) أي ممكن (قَدِيرٌ).
ولما انقضى توبيخهم على إيمانهم بالباطل وكفرانهم بالحق وما استتبعه ، وختم بأمر الساعة ، عطف على قوله تعالى (وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً) ما هو من أدلة الساعة وكمال القدرة والفعل بالاختيار من النشأة الأولى ، فقال تعالى : (وَاللهُ) أي الذي له العظمة كلها (أَخْرَجَكُمْ) بعلمه وقدرته (مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ) والذي أخرجكم منها قادر على إخراجكم من بطن الأرض بلا فرق بل بطريق الأولى ، حال كونكم عند الإخراج (لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً) من الأشياء قل أو جل ، وعطف على (أَخْرَجَكُمْ) قوله : (وَجَعَلَ لَكُمُ) بذلك أيضا (السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ) آلات لإزالة الجهل الذي وقعت الولادة عليه ، وفتق مواضعها وسواها وعدلها وأنتم في البطون حيث لا تصل إليه يده ، ولا يتمكن من شق شيء منه بآلة ، فالذي قدر على ذلك في البطون إبداعا قادر على إعادته في بطن الأرض ، بل بطريق الأولى ، ولعله جمعهما دون السمع ، لأن التفاوت فيهما أكثر من التفاوت فيه بما لا يعلمه إلا الله ؛ والأفئدة هي القلوب التي هيأها للفهم وإصلاح البدن بما أودعها من الحرارة اللطيفة القابلة للمعاني الدقيقة (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) أي لتصيروا ـ بمعارف القلوب التي وهبكموها إذا سمعتم المواعظ وأبصرتم الآيات ـ في حال يرجى فيها شكركم لما أفاض عليكم من لطائف صنعه ، بأن تعرفوا ما له من العلم والقدرة وحسن التعرف ، فتعترفوا له بجميع ما أتتكم به رسله ، وأهمه الذي تبنى عليه جميع مقاصد الأصول أو المنعم عليكم بهذه النعم إله واحد عالم بكل شيء قادر على كل شيء فاعل بالختيار ، وأن الطبائع من جملة مقدوراته ، لا فعل لها إلا بتصريفه.
ولما كان المقصود من تعداد هذه النعم الإعلام بأنه الفاعل بالاختيار وحده لا الطبائع ولا غيرها ، دلهم على ذلك مضموما إلى ما مضى بقوله مقررا لهم : (أَلَمْ يَرَوْا) بالخطاب والغيبة ـ على اختلاف القراءتين لأن سياق الكلام وسباقه يحتمل المقبل
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
