الكمال التي منها اختصاصه بالشكر ، لكونه هو المنعم وليس لغيره إحاطة بشيء من ذلك ولا غيره ، فكأنهم قالوا : نحن نعلم ذلك ، فقيل : (بَلْ أَكْثَرُهُمْ) أي في الظاهر والباطن ـ بما أشار إليه الإضمار (لا يَعْلَمُونَ) لكونهم يسوون به غيره ، ومن نفى عنه العلم ـ الذي هو أعلى صفات الكمال ـ كان في عداد الأنعام ، فهم لذلك يشبهون به ما ذكر ، ويضربون الأمثال الباطلة ، ويضيفون نعمه إلى ما لا يعد ، ولعله أتى بضمير الغيبة لقصر ذلك على من ختم بموته على الضلال ، أو يقال وهو أرشق : لما كان الجواب قطعا : لا يستوون والفاضل مثالك ، فقد علم كل ذي لب أن لك المثل الأعلى ، فترجم عن وصفه بقوله «الحمد لله» أي الإحاطة بصفات الكمال للملك الأعظم ، وعن نسبتهم إلى علم ذلك بقوله تعالى (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ) أي ليس لهم علم بشيء أصلا ، لأنهم يعملون في هذا بالجهل ، فنسبتهم إلى الغباوة أحسن في حقهم من نسبتهم إلى الضلال على علم ، وسيأتي في سورة لقمان إن شاء الله تعالى ما يكون نافعا في هذا المقام ، وإنما فسرت الحمد بما تقدم لأنه قد مضى في سورة الفاتحة أن مادة «حمد» تدور على بلوغ الغاية ، ويلزم منه الاتساع والإحاطة والاستدارة ، فيلزمها مطأطأة الرأس وقد يلزم الغاية الرضى فيلزمه الشكر ، وبيانه أن الحمد بمعنى الرضا والشكر لأنهما يكونان غالبا من غاية الإحسان ، ويرجع إلى ذلك الحمد بمعنى الجزاء وقضاء الحق ، وحماداك ـ بالضم ، أي غايتك ، ويوم محتمد : شديد الحر ، وحمد النار ـ محركة : صوت التهابها ، وأما يتحمد عليّ ـ بمعنى يمتن ـ فأصله : يذكر ما يلزم منه حمده ، ومنه المدح : وهو حسن الثناء ، وتمدح بمعنى تكلف أن يمدح وافتخر وتشبع بما ليس عنده ، فإنه في كل ذلك بذل جهده ، ودحمه ـ كمنع : دفعه شديدا ، والمرأة : نكحها ـ لما في ذلك من بلوغ الغاية في الشهوة وما يلزمها من الدفع ونحوه ، والدحم ـ بالكسر : الأصل ـ لأنه غاية الشيء الذي ينتهي إليه ، وحدم النار ـ ويحرك : شدة احتراقها وحميها ، واحتدم الدم : اشتدت حمرته حتى يسود ، والحدمة ـ محركة : النار ـ لأنها غاية الحر ، والحدمة أيضا : صوتها ـ لدلالته على قوة التهابها ، ومن ذلك الحدمة أيضا لصوت جوف الحية ، أو صوت في الجوف كأنه تغيظ ـ لأنه يدل على غاية التهاب الباطن ، والحدمة ـ كفرحة : السريعة الغلي من القدور ؛ ومن الاتساع : تمدحت الأرض أي اتسعت ؛ ومن الاستدارة : الداحوم لحبالة الثعلب ـ لأنها بلغت الغاية من مراد الصائد ، ولأنه لما لم يقدر على الخلاص منها كانت كأنها قد أحاطت به ، والدمحمح : المستدير الململم ، ودمح تدميحا : طأطأ رأسه ـ لأن الانعطاف مبدأ الاستدارة ـ والله سبحانه وتعالى الموفق.
ولما انقضى هذا المثل كافيا في المراد ، ملزما لهم لاعترافهم بأن الأصنام عبيد الله
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
