إلى غير ذلك مما كان يعتذر به عن جهة أمه ، نبههم سبحانه على ما وقعوا فيه في حقه من ذلك بسبب الإشراك مع أنه مالك الملك وملك الملوك بعد ما اجترؤوا عليه في تفضيل أنفسهم في نسبة البنات إليه ، فقال تعالى : (فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا) أي في الرزق (بِرَادِّي رِزْقِهِمْ) أي الذي اختصوا به (عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ) وإن جل نفعهم وتعاظم عندهم وقعهم (فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ) أي فيكون بذلك الرد المالك والمملوك سواء ، فهو جواب للنفي ـ نقله الرمال عن ابن عباس ومجاهد وقتادة رضي الله عنهم.
ولما وضح ذلك وضوح الشمس وظهر حتى ما به أصلا نوع لبس ، تسبب عنه الإنكار في قوله على وجه الإعراض عن خطابهم المؤذن بالمقت : (أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ) أي الذي لا رب غيره (يَجْحَدُونَ) في جعلهم له شركاء يضيفون إليهم بعض ما أنعم به عليهم ، فيسوون بينهم وبينه في ذلك وبنعمتهم يعترفون ولها يحفظون في إنزال ما ملكت أيمانهم عنهم في المراتب والأموال.
ولما ذكر الخلق والرزق ، أتبعهما الألذاذ بالتأنس بالجنس من الأزواج والأولاد وغيرهما اللازم له القيام بالمصالح فقال تعالى : (وَاللهُ) أي الذي له تمام القدرة وكمال العلم (جَعَلَ لَكُمْ) ولما كان الأزواج من الجنس ، قال : (مِنْ أَنْفُسِكُمْ) لأن الشيء آلف لنوعه وأقرب إلى جنسه (أَزْواجاً) أي تتوالدون بها ويبكون السكون إليها سببا لبقاء نوعكم (وَجَعَلَ لَكُمْ) أي أيها الناس الذين يوجهون رغباتهم إلى غيره! (مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ) ولعله قدمهم للشرف ؛ ثم عطف على ذلك ما هو أعم فقال : (وَحَفَدَةً) أي من البنات والبنين وأولادهم والأصهار والأختان ، جمع حافد ، يخفّون في أعمالكم ويسرعون في خدمكم طاعة وموالاة ، لا كما يفعل الأجانب وبعض العاقين ، وهذا معنى ما نقله الرماني عن ابن عباس رضي الله عنهما من أنه فسرهم بالخدام والأعوان ، وهو الصواب لأن مادة حفد تدور على الإسراع والخفة.
حفد : خفّ في العمل وأسرع ، والحفد ـ محركة : الخدم ـ لخفتهم ، ومشي دون الخبب ، والحفدة : البنات وأولاد الأولاد أو الأصهار ـ لذلك ، وصناع الوشي ـ لإسراعهم فيه وإسرع لابسه إلى لبسه منبسط النفس ، والمحفد ـ كمجلس ومنبر : شيء يعلف فيه الدواب ـ لإسراعها إليه ، وكمنبر : طرف الثوب لإسراع حركته ، وقدح يكال به ـ لخفته ، وكمجلس الأصل ـ لدوران الأمور عليه وإسراعها إليه ، وسيف محتفد : سريع القطع ، وأحفده : حمله على الإسراع ، والفادحة : النازلة ، وفوادح الدهر : خطوبه ـ لإسراعها بالمكروه وإسراع المنزول به ومن يهمه شأنه إلى مدافعتها ، ومن ذلك فدحه الأمر : أثقله ـ لأن المكروه يسرع فيثقل فيكثر اضطراب المنزول به.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
