يعلم عاقبته ، ولا خزي أعظم من هذا ، لأنه أنتج أن الجنون خير من عقل يكون هذا مآله ، فهو من باب التهكم (فَتَمَتَّعُوا) أي فتسبب عن هذا أن يقبل على هذا الفريق إقبال عالم قادر عليه قائلا : تمتعوا (فَسَوْفَ) أي فإن تمتعكم على هذا الحال سبب لأن يقال لكم تهديدا : سوف (تَعْلَمُونَ) غب تمتعكم ، فهو إقبال الغضب والتهديد بسوء المنقلب ، وحذف المتهدد به أبلغ وأهول لذهاب النفس في تعيينه كل مذهب.
ولما هددهم بإشراكهم المستلزم لكفر النعمة ، أتبعه عجبا آخر من أمرهم فقال عاطفا على قوله تعالى (وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ) : (وَيَجْعَلُونَ) أي على سبيل التكرير (لِما لا يَعْلَمُونَ) مما يعبدونه من الأصنام وغيرها لكونه في حيز العدم في نفسه وعدما محضا بما وصفوه به كما قال تعالى (أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ) [الرعد : ٣٣](نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ) بما لنا من العظمة ، من الحرث والأنعام وغير ذلك ، تقربا إليها كما مضى شرحه في الأنعام ، ولك أن تعطفه ـ وهو أقرب ـ على (يُشْرِكُونَ) فيكون داخلا في حيز «إذا» أي فاجأوا مقابلة نعمته في الإنجاء بالإشراك والتقرب برزقه إلى ما الجهل به خير من العلم به ، لأنه عدم لأنه لا قدرة له ولا نفع في المقام الذي أقاموه فيه ؛ ثم التفت إليهم التفاتا مؤذنا بما يستحق على هذا الفعل من الغضب فقال تعالى : (تَاللهِ) أي الملك الأعظم (لَتُسْئَلُنَ) يوم الجمع (عَمَّا كُنْتُمْ) أي كونا هو في جبلاتكم (تَفْتَرُونَ) أي تتعمدون في الدنيا من هذا الكذب ، سؤال توبيخ ، وهو الذي لا جواب لصاحبه إلا بما فيه فضيحته.
ولما بين سفههم في صرفهم مما آتاهم إلى ما هو في عداد العدم الذي لا يعلم ، بين لهم سفها هو أعظم من ذلك بجعلهم لمالك الملك وملكه أحقر ما يعدونه مما أوجده لهم ، لافتقارهم إليه وغناه عنه على وجه التوالد المستحيل عليه مع كراهته لأنفسهم ، فصار ذلك أعجب العجب ، فقال تعالى : (يَجْعَلُونَ لِلَّهِ) أي الذي لا معلوم على الحقيقة سواه لاستجماعه لصفات الجلال والإكرام. ولما كان المراد تقريعهم ، وكانت الأنوثة ربما أطلقت على كرائم الأشجار ، نص على المراد بقوله : (الْبَناتِ) فلا أعجب منهم حيث يجعلون الوجود للمعدوم المجهول ، ويجعلون العدم للموجود المعلوم ؛ ثم نزه نفسه عن ذلك معجبا من وقوعه من عاقل بقوله تعالى : (سُبْحانَهُ).
ولما ذكر ما جعلوا له مع الغنى المطلق ، بين ما نسبوا لأنفسهم مع لزوم الحاجة والضعف فقال : (وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ) من البنين ، وذلك في جملة اسمية مدلولها الثبات ، ليكون مناديا عليهم بالفضيحة ، لأنهم لا يبقون لأبنائهم ولا يبقى أبناؤهم لهم ، وقد يكونون أعدى أعدائهم ؛ ثم بين حالهم إذا حصل لهم نوع ما جعلوه له سبحانه فقال
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
