أن يثني بوجه ولا أن يجزأ لغناء المطلق عن كل شيء واحتياج كل شيء إليه ، فكونوا ممن يسجد له طوعا ولا تكونوا ممن لا يسجد له إلا كرها.
ولما كان أسلوب الغيبة لا يعين الإله في المتكلم ، التفت إلى أسلوب التكلم فقال تعالى : (فَإِيَّايَ) أي ذلك الواحد أنا وحدي لا شريك لي ، فمن لم يوحدني أوقعت به بقوتي ما لا يطيقه لعجزه.
ولما كانت الوحدانية مما لا يخفى على عاقل ، وكانت مركوزة في كل فطرة بدليل الاضطراب عند المحن ، والشدائد والفتن ، وكانت الرهبة ـ كما مضى عن الحرالي في البقرة ـ خاصة بالخوف مما خالف العاصي فيه العلم ، عبر بها فقال تعالى : (فَارْهَبُونِ) مختصا بذلك ولا تخافوا شيئا غيري من صنم ولا غيره ، فإنه ليس لشيء من ذلك قدرة ، وإن أودعته قدرة فإنه لا يتمكن من إنفاذها ، فالأمر كله إليّ وحدي.
ولما كان أسلوب الغيبة من الحاضر دالا على التردي بحجاب الكبر المؤذن بشدة البطش وسرعة الانتقام وبعد المقام ، رجع إليه فقال تعالى : (وَلَهُ) فأعاد الضمير على الله الاسم العلم الجامع لجميع الأسماء الحسنى (ما فِي السَّماواتِ.)
ولما كان الأمر قد تأكد وتأطد ، وظهر المراد منه غاية الظهور ، لم يحتج إلى تأكيده بإعادة النافي ، فقال تعالى : (وَالْأَرْضِ) أي مما تعبدونه وغيره ، فكيف يتصور أن يكون شيء من ذلك إلها وهو ملكه ، مع كونه محتاجا إلى الزمان والمكان وغيرهما (وَلَهُ الدِّينُ) أي الخضوع والتذلل من كل ما فيهما ومن فيهما بالطوع والكره ، بإنفاذ القضاء والقدر ، بالصحة والسقم ، والغنى والفقر ، والحياة والموت ، والإيجاد والإعدام ، والإذلال والإعزاز ، والإقبال والإعراض ـ كما بين آنفا ، وله الدينونة بالمجازاة (واصِباً) أي دائما ثابتا عاما لا كالملوك الذين تنقطع ممالكهم مع خصوصها ، والمعبودات التي تنقطع عبادتها في وقت من الأوقات فتصير كاسدة بعد أن كانت رابحة وإن طال المدى ، مع خصوصها بناس دون غيرهم ، ولا يخلو يوم من الأيام لملك غيره من جري أمور على غير مراده وإن عظم سلطانه ، وعلا شأنه ، وكثرت أعوانه ، فكيف يتصور من له أدنى بصر أن يكون غيره إلها ، وقد تقدم في (إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) [هود : ٥٦] في هود ما ينفع استحضاره هنا.
ولما تقرر هذا الدليل على هذه الصفة ، وكان من مفهومات الدين الجزاء الناظر إلى الأفعال الواقية مما يضر ، تسبب عنه الإنكار الشديد على من يلتفت بشيء من أفعاله إلى غيره بعد علمه بأنه دائم لا يزول ، وأن كل ما سواه زائل ، فقال معبرا بالتقوى التي
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
