(الَّذِينَ صَبَرُوا) أي استعملوا الصبر على ما نابهم من المكاره من الكفار وغيرهم في الإقامة بين أظهرهم مدة ثم في الهجرة بمفارقة الوطن الذي هو حرم الله المشرب حبه لكل قلب ، فكيف بقلوب من هو مسقط رؤوسهم ومألف أبدانهم ونفوسهم ، وفي بذل الأرواح في الجهاد وغير ذلك ، ولفت الكلام إلى وصف والإحسان تنبيها على ما يحمل على التوكل فقال تعالى : (وَعَلى رَبِّهِمْ) أي المحسن إليهم بإيجادهم وهدايتهم وحده (يَتَوَكَّلُونَ) في كل حالة يريدونها رضى بقضاء الله تعالى.
ولما أخبر تعالى أنه بعث الرسل ، وكان عاقبة من كذبهم الهلاك ، بدلالة آثارهم ، وكانوا قد قدحوا في الرسالة بكون الرسول بشرا ثم بكونه ليس معه ملك يؤيده ، رد ذلك بقوله ـ مخاطبا لأشرف خلقه صلّى الله عليه وعلى آله وسلم لكونه أفهمهم عنه مع أنه أجل من توكل وصبر ، عائدا إلى مظهر الجلال بيانا لأنه يظهر من يشاء على من يشاء ـ : (وَما أَرْسَلْنا) أي بما لنا من العظمة.
ولما كان الإرسال بالفعل إنما كان في بعض الأزمنة ، دل عليه بالجار فقال : (مِنْ قَبْلِكَ) إلى الأمم من طوائف البشر (إِلَّا رِجالاً) لا ملائكة بل آدميين ، هم في غاية الاقتدار على التوكل والصبر الذي هو محط الرجلة (نُوحِي إِلَيْهِمْ) بواسطة الملائكة ، وما أحسن تعقيب ذلك للصابرين ، لأن الرسل أصبر الناس.
ولما كانوا قد فزعوا إلى سؤال أهل الكتاب في بعض الأمور ، وكانوا قد أوتوا علما من عند الله ، سبب عن هذا الإخبار الأمر بسؤالهم عن ذلك ، فقال مخاطبا لهم ولكل من أراد الاستثبات من غيرهم : (فَسْئَلُوا) أي أيها المكذبون ومن أراد من سواهم (أَهْلَ الذِّكْرِ) أي العلم بالكتاب ، سمي ذكرا لأن الذكر ـ الذي هو ضد السهو ـ بمنزلة السبب المؤدي إليه فأطلق عليه ، كأن الجاهل ساه وإن لم يكن ساهيا ، وكذا الذكر ـ الذي هو الكلام المذكور ـ سبب للعلم.
ولما كان عندهم حسّ من ذلك بسماع أخبار الأمم قبلهم ، أشار إليه بقوله تعالى : (إِنْ كُنْتُمْ) أي جبلة وطبعا (لا تَعْلَمُونَ) أو هو التنفير من الرضى بالجهل.
ولما كانت رسل الملوك تقترن بما يعرف بصدقهم ، قال ـ جوابا لمن كأنه قال : بأي دلالة أرسلوا؟ ـ : (بِالْبَيِّناتِ) المعرفة بصدقهم (وَالزُّبُرِ) أي الكتب الهادية إلى أوامر مرسلهم.
ولما كان القرآن أعظم الأدلة ، أشار إلى ذلك بذكره مدلولا على غيره من المعجزات بواو العطف ، فقال ـ عاطفا على ما تقديره : وكذلك أرسلناك بالمعجزات
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
