تزيد بزيادة المطر وتنقص بنقصه ، وهكذا في كل عام ، فأوجب ذلك بقاء البحر على حاله من غير زيادة ، فسبحان المدبر الحكيم العزيز العليم! ولما ذكر ذلك ، أتبعه ما يتوصل به إلى منافع كل منه فقال تعالى : (وَسُبُلاً.)
ولما كانت الجبال والبحار والأنهار أدلة على السبل الحسية والمعنوية ، قال تعالى : (لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) أي يحصل لكم الاهتداء فتهتدوا إلى مقاصدكم.
ولما كانت الأدلة في الأرض غير محصورة فيها ، قال : (وَعَلاماتٍ) أي من الجبال وغيرها ، جمع علامة وهي صورة يعلم بها المعنى من خط ، أو لفظ أو إشارة أو هيئة ، وقد تكون علامة وضعية ، وقد تكون برهانية.
ولما كانت الدلالة بالنجم أنفع الدلالات وأعمها وأوضحها برا وبحرا ليلا ونهارا ، نبه على عظمها بالالتفات إلى مقام الغيبة لإفهام العموم لئلا يظن أن المخاطب مخصوص ، وأن الأمر لا يتعداه ، فقال تعالى : (وَبِالنَّجْمِ هُمْ) أي أهل الأرض كلهم ، وأولى الناس بذلك أول المخاطبين ، وهم قريش ثم العرب كلها ، لفرط معرفتهم بالنجوم (يَهْتَدُونَ) وقدم الجار تنبيها على أن دلالة غيره بالنسبة إليه سافلة.
ولما لم يبق ـ بذكر الدلائل على الوحدانية على الوجه الأكمل ، والترتيب الأحسن ، والنظم الأبلغ ـ شبهة في أن الخالق إنما هو الله ، لما ثبت من وحدانيته ، وتمام علمه وقدرته ، وكمال حكمته ، لجعله تلك الدلائل نعما عامة ، ومننا تامة ، مع اتضاح العجز في كل ما يدعون فيه الإلهية من دونه ، واتضاح أنه سبحانه في جميع صنعه مختار ، للمفاوتة في الوجود والكيفيات بين ما لا مقتضى للتفاوت فيه غير الاختيار ، فثبت بذلك أنه قادر على الإتيان بما يريد. قال مسببا عن ذلك : (أَفَمَنْ يَخْلُقُ) أي يجدد ذلك حيث أراد ومتى أراد فلا يمكن عجزه بوجه لتمكن شركته (كَمَنْ) شركته ممكنة ، فهو أصل في ذلك بسبب أنه (لا يَخْلُقُ) أي لا يقع ذلك منه وقتا ما من الأصنام وغيرها ، في العجز عن الإتيان بما يقوله ؛ المستلزم لأن يكون ممكنا مخلوقا ، ولو كان التشبيه معكوسا كما قيل لم يفد ما أفاد هذا التقدير من الإبلاغ في ذمهم بإنزال الأعلى عن درجته ، وعبر ب «من» لأنهم سموها آلهة ، وأنهى أمرها أن تكون عاقلة ، فإذا انتفى عنها وصف الإلهية معه لعدم القدرة على شيء انتفى بدونه من باب الأولى.
ولما سبب عن هذه الأدلة إنكار تسويتهم الخالق بغيره في العجز ، سبب عن هذا الإنكار إنكار تذكرهم ، حثا لهم على التذكر المفيد لترك الشرك فقال : (أَفَلا تَذَكَّرُونَ) بما تشاهدونه من ذلك ولو من بعض الوجوه ـ بما أفاده الإدغام ـ لتذكروا ما يحق اعتقاده.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
