فلما استثنوها من أن ينجّوها فكان أمرها محتملا لأن تعذب ولأن ينجيها الله تعالى بسبب غيرهم ، تشوفت النفس للوقوف على ما قضى الله به من ذلك ، فقيل بإسناد الفعل إلى أنفسهم لما لهم من الاختصاص بالمقدر سبحانه : (قَدَّرْنا) ولما كان فعل التقدير متضمنا للعلم ، علقه عن قوله : (إِنَّها) أي امرأته ، وأكد لأجل ما أشير إليه هنا من عظيم تشوف الخليل عليهالسلام إلى معرفة أمرهم وتشديد سؤاله ، في نجاة لوط عليهالسلام وجميع آله ـ كما مضى التصريح به في هود ـ فطما له عن السؤال في نجاتها بخلاف ما في النمل ، فإن سياقها عار عن ذلك (لَمِنَ الْغابِرِينَ) أي الباقين الذين لا ينجون مع لوط عليهالسلام ، بل تكون في الهلاك والعبرة ؛ والآل ـ قال الرماني : أهل من يرجعون إلى ولايته ، ولهذا يقال : أهل البلد ، ولا يقال : آل البلد ، والتقدير : جعل الشيء على مقدار غيره لتظهر المساواة والمباينة ، والغابر : الباقي فيمن يهلك.
فلما تم ما أريد الإخبار عنه من تحاورهم مع إبراهيم عليهالسلام ، أخبر عن أمرهم مع لوط عليهالسلام ، فقال : (فَلَمَّا) بالفاء الدالة على سرعة وصولهم إليه ، وكأنه ما اشتد إنكاره لهم إلا بعد الدخول إلى منزله ، إما لخوفه عليهم وهم لا يخافون ، أو غير ذلك من أحوال لا تشبه أحوال البشر فلذا قال : (جاءَ آلَ لُوطٍ) أي في منزله (الْمُرْسَلُونَ) أي لإهلاك قومه (قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ) أي أقوياء (مُنْكَرُونَ) لا بد أن يكون عن إتيانكم إلى هذه البلدة شر كبير لأحد من أهل الأرض ، وهو معنى (سِيءَ بِهِمْ) [العنكبوت : ٣٣] الآية ، فقدم حكاية إنكاره إياهم وإخبارهم عن العذاب لمثل ما تقدم في قصة إبراهيم عليهالسلام من الزجر عن قولهم (لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ) المحتمل لإرادة جميع الملائكة (إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) تعريفا لهم بأن بعض الملائكة أتوا من كانا أكمل أهل ذلك الزمان على أجمل صور البشر ، مبشرين لهما ، ومع ذلك خافهم كل منهما ، فكيف لو كان منهم جمع كثير؟ أم كيف لو كانوا على صورهم؟ أم كيف لو كان الرائي لهم غيرهما؟ أم كيف لو كان كافرا (يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً) [الفرقان : ٢٢] ويجوز أن يكون قوله لهم هذه المقالة إنما كان عند إخبارهم له بأنهم رسل الله ، ويكون المعنى حينئذ أنكم لستم على صفة الآتي بالوحي ، فقد اشتد على أمركم ، لكوني لا أعرفكم مع الاستيحاش منكم ، وذلك بعد محاورته لقومه ثم مقارعتهم عنهم ، فكان خائفا عليهم ، فلما أخبروه أنهم ملائكة خاف منهم أن يكونوا أتوا بشيء يكرهه ، وقد تقدم آنفا أن الإخبار عما كان في حين من الأحيان لا يضر تقديم بعضه على بعض ولا إسقاط بعض وذكر آخر ، ولم يزد هنا الحرف الذي أصله المصدر ، وهو «أن» كما في العنكبوت ، لأن استنكاره لهم وإن كان مرتبا على مجيئهم إلا أنه ليس متصلا بأوله بخلاف المساءة.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
