بعبارته كنه ضميره ، والبلاغ ـ كسحاب : الكفاية ، لأنها توصل إلى القصد ، وبالغ مبالغة ـ إذا اجتهد ولم يقصر ، وتبلغت به العلة : اشتدت.
والغلباء : الحديقة المتكاثفة ، ومن القبائل : العزيزة الممتنعة ، والأغلب : الأسد.
ولغب : أعيا ـ لاجتهاده في البلوغ ، واللغب : ما بين الثنايا من اللحم ، واللغب ـ ككتف : الكلام الفاسد ـ يرجع إلى الإعياء ، وكذا الضعيف الأحمق ، والسهم الذي لم يحسن بريه كاللغاب ـ بالضم ، والتغلب : طول الطرد.
والبغل من أشد الحيوان وأبلغها للقصد ، وبغل تبغيلا : بلّد وأعيا ، والإبل : مشت بين الهملجة والعنق.
ولما كان متعلق البلاغ الذي قدرته بالوصول يتضمن البشارة ، عطف عليه النذارة بانيا للمفعول ، لأن النافع مطلق النذارة ، وكل أحد متأهل لأن يكون واعظا به مقبولا ، لأن من سمعه فكأنما سمعه من الله لتميزه بإعجازه عن كل كلام ، فقال : (وَلِيُنْذَرُوا) أي من أي منذر كان فيقوم عليهم الحجة (بِهِ) فيحذروا عقاب الله فيتخلوا عن الدنايا.
ولما أشار إلى جميع الفروع فعلا وتركا ، مع إشارته إلى أصل التوحيد لأنه أول الوصول ، صرح به على حدته لجلالته في قوله : (وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ) أي الإله (إِلهٌ واحِدٌ) فيكون همهم واحدا.
ولما تمت الإشارة إلى الدين أصلا وفرعا ، نبه على المواعظ والأمثال بتذكر ما له من الآيات والمصنوعات ، والبطش بمن خالفه من الأمم ، وأشار إلى أن أدلة الوحدانية والحشر لا تحتاج إلى كبير تذكر ، لأنها في غاية الوضوح ولا سيما بعد تنبيه الرسل ، فأدغم تاء التفعل ، فقال : (وَلِيَذَّكَّرَ) أي منهم (أُولُوا الْأَلْبابِ) أي الصافية ، والعقول الوافية ، فيفتحوا عيون بصائرهم فيعلموا أنه لا وصول لهم مع الغفلة فيلزموا المراقبة فلا يزالوا في رياض المقاربة. ويعلموا ـ بما ركز في طبائعهم وجرى من عوائدهم ـ أن أقل حكامهم لا يرضى بأن يدع رعيته يتهارجون لا ينصف بينهم ولا يجزى أحدا منهم بما كسب ، فيكون ذلك منه انسلاخا من رتبة الحكم التي هي خاصته ، فكيف يدعون ذلك في أحكم الحاكمين ، فقد تكفلت هذه الآية على وجازتها بجميع علم الشريعة أصولا وفروعا ، وعلم الحقيقة نهايات وشروعا ، على سبيل الإجمال وقد انطبق آخر السورة على أولها ، لأن هذا عين الخروج من الظلمات إلى النور بهذا الكتاب الحامل على كل صواب ـ والله سبحانه وتعالى الموفق للصواب وحسن المآب.
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
