أشرك معه أقرب الناس إليه وأحقهم بشكره فقال : (وَلِوالِدَيَ) وقد كان استغفاره لهما قبل أن يعلم أن أباه مات كافرا ، وقد علم من السياق أنه إذا كان وحده أضاف إلى ضميره ، وإذا تقدم ما يحسن جمعه معه جمع إن كان ما بعده مستقلا ، ثم كل من تبعه في الدين من ذريته وغيرهم فقال : (وَلِلْمُؤْمِنِينَ) أي العريقين في هذا الوصف (يَوْمَ يَقُومُ) أي يظهر ويتحقق على أعلى وجوهه (الْحِسابُ).
ولما ختم دعاءه بيوم الحساب الموجب ذكره لكل سعادة ونسيانه لكل شقاوة ، ذكر بعض ما يتفق فيه رجوعا إلى ما مضى من أحوال يوم القيامة على أحسن وجه ، فقال ـ عاطفا على قوله (قُلْ لِعِبادِيَ) وجل المقصد تهديد أهل الظلم بالإشراك وغيره ، وخاطب الرأس الذي لا يمكن ذلك منه ليكون أوقع في قلب غيره ـ : (وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ) أي الملك الأعظم الذي هو أحكم الحاكمين.
ولما كان اعتقاد ترك الحساب يلزم منه نسبة الحاكم إلى العجز أو السفه أو الغفلة ، وكان قد أثبت قدرته وحكمته في هذه السورة وغيرها نزهة عن الغفلة لينتبه المنكرون للبعث من غفلتهم فقال : (غافِلاً) والغفلة : ذهاب المعنى عن النفس (عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ) الذين بدلوا نعمة الله كفرا ، فكانوا عريقين في الظلم وإن كان مستند ظلمهم شبها علمية يقيمونها ، فكأنه قيل : فما الذي يفعل بهم؟ فقال : (إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ) أي يؤخر حسابهم على النقير والقطمير سواء عذبوا في الدنيا أو لا (لِيَوْمٍ تَشْخَصُ) أي تفتح فتكون بحيث لا تطرف (فِيهِ) منهم (الْأَبْصارُ) أي حال كونهم (مُهْطِعِينَ) أي مسرعين غاية الإسراع إلى حيث دعوا خوفا وجزعا ، مع الإقبال بالبصر نحو الداعي لا يلفتونه إلى غيره (مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ) أي رافعيها وناصبيها ناظرين في ذل وخشوع إلى جهة واحدة ، وهي جهة الداعي ، لا يلتفتون يمينا ولا شمالا ، وهذا كناية عن أشد الذل والصغار ، ثم أتبعه ما يؤكده فقال مصرحا بمعنى الشخوص : (لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ) ولما كانوا في هيئة الأعين في الطرف والسكون قريبا من السواء ، وحد فقال : (طَرْفُهُمْ) بل أعينهم شاخصة دائمة الفتح لا تطرف كالمحتضر لما بأصحابها من الهول (وَأَفْئِدَتُهُمْ) جمع فؤاد ، وهو العضو الذي من شأنه أن يحمى بالغضب ؛ قال في القاموس : والتفؤد : التحرق والتوقد ، ومنه الفؤاد للقلب مذكر ، جمعه أفئدة. (هَواءٌ) أي عدم فارغة لا شيء فيها من الجرأة والأنفة التي يظهرونها الآن كما قال حسان بن ثابت رضي الله عنه :
|
ألا أبلغ أبا سفيان عني |
|
فأنت مجوف نخب هواء |
والهواء : الخلاء الذي لم تشغله الأجرام ، والنخب : الجبان ، وكذا الهواء ـ قاله في القاموس. فأنذرهم أهوال ذلك اليوم فإنه لا يبقى معهم فيه شيء مما هم فيه من
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
