غفرت له فأنت أهل لذلك ، لأن لك أن تفعل ما تشاء (فَإِنَّكَ غَفُورٌ) أي بليغ الستر (رَحِيمٌ) أي بليغ الإكرام بعد ستر الذنوب ؛ وأكد للإعلام بزيادة رغبته في العفو لأنه لا ينقص به شيء من عزته سبحانه ولا حكمته ـ كما أشار إليه دعاء عيسى عليهالسلام في المائدة.
ولما دعا بدرء المفاسد الناشئة من نوعي الإنسان والشيطان بأمن البلد وإيمانه ذكر السبب الحامل له على تخصيصه بذلك مستجلبا للمصالح ، فقال : (رَبَّنا) أي يا رب وربّ من قضيت أنه يتبعني بتربيتك لنا أحسن تربية (إِنِّي أَسْكَنْتُ) وكأن الله سبحانه كان قد أخبره أنه يكثر نسله حتى يكونوا كالنجوم ، وذلك بعد البشارة بإسحاق عليهالسلام فقال : (مِنْ ذُرِّيَّتِي) وساقه مؤكدا تنبيها على أنه ـ لكونه على وجه لا يسمح به أحد ـ لا يكاد يصدق ، وللإعلام بأنه راغب فيه (بِوادٍ) هو مكة المشرفة لكونها في فضاء منخفض بين جبال تجري به السيول (غَيْرِ ذِي زَرْعٍ).
ولما نفى عنه الرفد الدنيوي ، أثبت له الأخروي ، إشارة إلى أن الدارين ضرتان لا تجتمعان ، وكأن هذا الدعاء كان بعد بنائه البيت ـ كما تقدمت الإشارة إليه أيضا بتعريف البلد ، فقال : (عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ) أي الذي حرمت التعرض إليه ومنعته بالهيبة فلم يملكه أحد سواك ، وجعل له حريم يأمن فيه الوحش والطير ؛ والسكنى : اتخاذ مأوى يسكن إليه متى شاء ، والوادي : سفح الجبل العظيم ، ومنه قيل للأنهار : أودية ، لأن حافاتها كالجبال لها ، والزرع : نبات ينفرش من غير ساق ؛ ثم بين غرضه من إسكانهم هناك فقال : (رَبَّنا) أي أيها المحسن إلينا (لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ) ما أسكنتهم في هذا الوادي الموصوف إلا لهذا الغرض المنافي لعبادة غيرك ، ولأن أولى الناس بإقامتها حاضرو البيت المتوجه بها إليه.
ولما كان اشتغالهم بالعبادة وكونهم في ذلك الوادي أمرين بعيدين عن أسباب المعاش ، تسبب عنه قوله : (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً) أي قلوبا محترقة بالأشواق (مِنَ النَّاسِ) أي من أفئدة الذين هم أهل للاضطراب ، بكون احتراقها بالشوق مانعا من اضطرابها (تَهْوِي) أي تقصدهم فتسرع نحوهم برغبة وشوق إسراع من ينزل من حالق ؛ وزاد المعنى وضوحا وأكده بحرف الغاية الدال على بعد لأن الشيء كلما بعد مدى مرماه اشتد وقعه فقال : (إِلَيْهِمْ) ولما دعا لهم بالدين ، دعا لهم بالرزق المتضمن للدعاء لجيرانهم فقال : (وَارْزُقْهُمْ) أي على يد من يهوي إليهم (مِنَ الثَّمَراتِ) أي التي أنبتها في بلادهم ؛ وبين العلة الصالحة بقوله : (لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) أي ليكون حالهم حال من يرجى شكرهم لما يرون من نعمك الخارقة للعوائد في ذلك الموضع البعيد عن الفضل
![نظم الدّرر [ ج ٤ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4703_nazm-aldurar-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
